محددات السياسة الخارجية التركية إزاء العراق

لا يمكن الحديث عن مستقبل العراق بدون التطرق للموقف التركي من مختلف التطورات فيه، سيما العلاقة بين إقليم شمال العراق والحكومة المركزية ومواجهة تنظيم الدولة ( داعش) ووحدة الأراضي العراقية في ظل سيناريوهات التقسيم المطروحة، فتركيا ليست فقط دولة جارة قوية للعراق، وإنما أيضاً دولة كان لها دائماً تفاعل مؤثر في الملف العراقي إيجاباً وسلباً بهذه الدرجة أو تلك، فضلاً عن المصالح التركية المتعددة في العراق وفي مقدمتها أمن الطاقة ومكافحة حزب العمال الكردستاني.

تبحث هذه الورقة في أهمية العراق بالنسبة لتركيا كدولة جارة تتفاعل فيها معظم الملفات الإقليمية الساخنة من سيناريوهات التجزئة, إلى ملف تنظيم الدولة ومواجهته, إلى أمن الطاقة إلى الاحتقان الطائفي، وتمر على أهم مراحل العلاقات التركية العراقية، في محاولة لتحرير أبرز السياقات المحددة لأطر السياسة الخارجية التركية إزاء العراق بما يساعد على استشراف أهم السيناريوهات المستقبلية الممكنة، بعرض يبتعد قليلاً عن التفاصيل الآنية والأحداث اليومية ويقترب من رسم خطوط عامة لسياسة أنقرة الخارجية تجاه بغداد (وأربيل) وممكنات الموقف التركي إزاء أي سيناريوهات مستقبلية مفترضة.

وقد اتسمت العلاقات التركية العراقية في معظمها بالتوتر وعدم التوافق، بدءاً من فترة الحرب الباردة التي تواجد الطرفان خلالها في المحورين المتواجهين، مروراً بفترة ما بعد نهاية الحرب الباردة التي استهلت بحرب الخليج الثانية ومشاركة تركيا فيها بفعالية وتميزت بتصاعد هجمات حزب العمال الكردستاني على الأراضي التركية انطلاقاً من شمال العراق، ثم مراحل تشكل إقليم شمال (كردستان) العراق على مدى سنوات طويلة تطورت معها المقاربة التركية إزاءه، وصولاً للوضع الحالي الذي يقف فيه الجانبان على طرفي نقيض من التطورات الإقليمية سيما فيما يتعلق بالأزمة السورية وسبل حلها مع تعقيدات كثيرة في مقدمتها معسكرات العمال الكردستاني في جبال قنديل وملف مكافحة تنظيم الدولة.

ورغم هذا التاريخ الحافل بالاختلافات والتوترات، تجمع البلدين مصالح مشتركة لا يمكن الاستهانة بها على الصعيدين الاستراتيجي والتكتيكي. ذلك أن حالة الجوار الجغرافي والتنوع العرقي والمذهبي على طرفي الحدود بشكل متشابه، والخصوصية التركمانية في العراق، وإقليم كردستان العراق وغيرها من العوامل تجعل ثنائية التأثير والتأثر بين الطرفين حاضرة وبقوة على المدى البعيد. كما أن المصالح المشتركة كثيرة وعميقة، في مقدمتها النفط وأمن الطاقة والمياه والتجارة البرية ومكافحة “الإرهاب” ومختلف قضايا المنطقة، إضافة إلى الوجود العراقي الكبير في تركيا؛ مقيمين ولاجئين.

كل ذلك يجعل لتركيا دوراً مهماً تلعبه في توازنات العراق في البعدين المحلي والإقليمي، والأهم في صياغة مستقبله في ظل سيناريوهات التقسيم والتجزئة الجغرافية و/أو السياسية التي يتم تداولها في المنطقة خصوصاً حول سوريا والعراق، فضلاً عن تأثير التطورات على الساحة العراقية – خصوصاً شمال العراق – على الداخل التركي بعدة أبعاد أهمها الملف الكردي ومواجهة حزب العمال الكردستاني.

أهمية العراق لتركيا

ثمة عوامل عدة تساهم في صياغة أهمية دولةٍ ما بالنسبة لأخرى، في مقدمتها التقارب الحضاري – الثقافي والمصالح الاقتصادية وحجم التبادل التجاري ومدى التوافق في رؤية السياسة الخارجية وملفات الاهتمام المشترك، بيد أن الجيوبوليتيك يبقى من أقوى العناصر التي تصوغ هذه الأهمية سيما في حالة الجوار الجغرافي المباشر، بكل ما يحمله من إمكانات التأثر والتأثير على طرفي الحدود على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والاستراتيجية.

من هذا المنظور يحظى العراق بأهمية استثنائية بالنسبة لتركيا وسياستها الخارجية، تتجلى من خلال ما يلي:

أولاً: موقع العراق ضمن “المناطق البرية القريبة”، وهي مناطق الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، التي نظَّر مهندس السياسة الخارجية ورئيس الوزراء التركي السابق أحمد ادود أوغلو في كتابه الأشهر “العمق الاستراتيجي – موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية” لأهميتها وضرورة اهتمام تركيا بها بشكل استثنائي وذي أولوية إن أرادت رفع مكانتها الإقليمية والدولية[1].

ثانياً: تجمع بين البلدين حدود برية مشتركة تمتد على مدى 384 كلم، وهو ما يغذي ثنائية التأثر – التأثير على طرفي الحدود وفي الاتجاهين، سيما على مستوى العلاقات التجارية والروابط الاجتماعية – الثقافية والتأثيرات السياسية – الاستراتيجية. كما كان العراق جزءاً مهماً من أراضي الدولة العثمانية وحظي باهتمام خاص طوال تلك الفترة باعتباره عمقاً جغرافياً للأناضول وأرضاً لحضارة مدنية سابقة على الدولة العثمانية.

ثالثاً: التشابه الكبير في الفيسفساء العرقية (عرب وأكراد وترك/تركمان) والمذهبية (سنة وشيعة وعلويون) في البلدين، إضافة إلى التفاعل الثقافي – الحضاري – الاجتماعي بين شعبيهما على طرفي الحدود.

رابعاً: تعتبر تركيا تاريخياً الراعية لتركمان العراق سياسياً وثقافياً واجتماعياً وتربطها بهم علاقات خاصة صاغتها حقائق التاريخ والعرق والثقافة، وقد أولاهم حزب العدالة والتنمية تحديداً اهتماماً خاصاً بهدف تقوية دورهم في صياغة مستقبل العراق من جهة ولتعميق علاقاتهم مع تركيا من جهة أخرى. وتحظى كركوك باهتمام تركي خاص للحفاظ على نسيجها العرقي المتنوع، وكذلك لأهميتها الاستثنائية في ملف الطاقة الحساس جداً بالنسبة لأنقرة[2].

خامساً: يحتفظ الشعب التركي بمكانة خاصة للموصل وما زال ينظر لها كعمق استراتيجي له خسره اضطراراً بعد الحرب العالمية الأولى، ويعتبرها بعض الاستراتيجيين والمحللين الأتراك “خط الدفاع الأول” عن بلادهم[3].

سادساً: يعتبر الملف الكردي أحد أهم ملفات الاهتمام المشترك الاستراتيجية بين تركيا والعراق وفي المنطقة، إذ يتوزع الأكراد فيهما إضافة إلى إيران وسوريا، وهو ملف شائك ومتقلب أدى تاريخياً إلى تعاون البلدين أحياناً وإلى الصدام بينهما في أحيان أخرى.

سابعاً: وفي إطار الملف الكردي يحتل حزب العمال الكردستاني الذي يمتلك معسكرات في جبال قنديل شمال العراق مكاناً خاصاً، ويعتبر أحد أهم العوامل التي تصوغ العلاقات التركية – العراقية إيجاباً وسلباً.

ثامناً: تصدر ملف المياه تاريخياً قائمة الملفات ذات الاهتمام المشترك وكان أحد أسباب توتر العلاقات الثنائية بين البلدين كما بين تركيا وسوريا، حيث ترى كل من بغداد ودمشق في مشاريع السدود التركية على نهري دجلة والفرات إجراءات تهدد أمنهما القومي.

تاسعاً: تربط البلدين علاقات اقتصادية قوية، إذ كان العراق في فترة قريبة يحتل المركز الثالث في قائمة شركاء أنقرة التجاريين، وهو المركز الذي خسره لاحقاً لأسباب عدة في مقدمتها هجمات حزب العمال الكردستاني وظهور تنظيم الدولة في الموصل وتوتر العلاقات السياسية بين تركيا وحكومة بغداد المركزية.

عاشراً: يعتبر العراق أحد أهم خيارات أمن الطاقة التركي كبديل لغاز روسيا وإيران، إضافة إلى النفط الذي يعتبر ركيزة أساسية في العلاقات التجارية بين البلدين عموماً وبين تركيا وإقليم شمال العراق خصوصاً.

أحد عشر: ترى تركيا في العراق نموذجاً مهماً للعلاقات السنية – الشيعية في عموم المنطقة، ولذلك فهي حريصة على أمنه واستقراره كضمانة لعدم تدحرج الأوضاع فيه إلى مواجهة طائفية تدمره وتدمر المنطقة برمتها.

اثنا عشر: إثر رفض تركيا السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لغزو العراق عام 2003، خسرت أنقرة الكثير من إمكانات التأثير في المشهد العراقي، وتحول الأخير عبر السنوات اللاحقة إلى ساحة نفوذ إيرانية، ثم أصبح بعد الأزمة السورية أحد أركان محور موسكو – طهران – بغداد – دمشق وأحد مساحات التنافس الإقليمي بين تركيا والسعودية من جهة وإيران من جهة أخرى.

…………………..

(يتبع)

المراجع:

[1]  أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، طبعة 10، (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2010)، ص 145 – 175.

[2]  المصدر السابق، ص 621 – 625.

[3]  في نهايات 2015، كتب إبراهيم كاراغول، رئيس تحرير صحيفة يني شفق المحسوبة على حزب العدالة والتنمية الحاكم، مقالاً بعنوان: خط الموصل – حلب: هذه هي خريطتنا.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …