محمد عبدالرحمن صادق : مُجتمع مُغتصَب بطبعه … الرضيعة نموذجاً

أعتذر لكل من صدمه هذا العنوان وأطلب منه أن يلتمس لي العذر لحين الانتهاء من قراءة الموضوع, وحينها يكون قد فهم مقصدي والتمس لي العذر, بل ربما ضم صوته لصوتي وشاركني الرأي.

القضية البشعة التي شغلت الرأي العام المصري في الأيام الماضية هي قضية “اغتصاب الرضيعة ” التي تمت في إحدى قرى مركز بلقاس بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر . لقد تجرد هذا الفاجر من الإنسانية ونفذ جريمته وفق ثقافته الهابطة وأخلاقه المنحطة.

وبعد هذه الفِعلة النكراء – التي لم يطفُ على سطح المجتمع مثلها من قبل – تعالت الأصوات وانتشرت الوسوم مُطالبة بإعدام مغتصب الرضيعة ولهم الحق في ذلك.

كما نشر على صفحة دار الإفتاء المصرية على موقع التواصل الاجتماعي ” فيس بوك ” بتاريخ 26 مارس 2017 ما نصه : ” اغتصاب الأطفال جريمة عظيمة داخلة في الإفساد في الأرض، بل هي من أعظم الإفساد، ومما لا شك فيه أن المغتصب مُحارب لله وممن يسعى في الأرض بالفساد، وقد جاء الأمر بعقوبة المفسدين أعظم عقوبة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 33] .

وعلى نفس الصفحة وبنفس التاريخ نشر ما نصه: “جريمة الاغتصاب إفساد في الأرض تنطبق عليها آية الحرابة في القرآن الكريم وجرَّمها قانون العقوبات المصري وجعل من عقوباتها الإعدام في المادة ٢٩٠ ” .

وعلى الصفحة أيضاً : ” لقد عالج قانون العقوبات المصري جريمة الاغتصاب وشدد العقوبة فيها على حسب الجريمة المرتكبة، ووصل بعقوبتها إلى الإعدام في كثير من الحالات وفق ما تنص عليه المادة ٢٩٠ منه ” .

مما تقدم أؤكد أننا أمام ثورة مُجتمعية ضد هذه الفعلة النكراء، وأمام انتفاضة من جهة دينية رسمية (دار الإفتاء) مطالبة بتوقيع أقصى وأقسى عقوبة على المغتصب, والجميع لهم الحق في ذلك لكي يكون الجاني عبرة لغيره, ونموذجاً رادعاً لكل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الفواحش والحماقات.

ولكن …

هناك سؤال وجيه يفرض نفسه ألا وهو: ما تعريف الاغتصاب؟

الاغتصاب هو: الاستيلاء على الشيء بالقوّة، أخذه قهرًا وظلمًا دون وجه حقّ.

قال تعالى: { .. وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً {79} } ( الكهف من الآية 79 ) .

مما سبق, فإن كل من تلوثت فطرتهم التي فطرهم الله تعالى عليها ( يغتصبون الرضيعة) ولكن بطرق وأساليب مختلفة:

هناك من عنده نهم (للمال) فيرتكب من جرائم الاغتصاب ما يجعله يحصل عليه.

وهناك من عنده نهم (للشهرة) فيرتكب من جرائم الاغتصاب ما يمكنه من الوصول للشهرة.

وهناك من عنده نهم ( للسلطة) فيرتكب من جرائم الاغتصاب ما يسهل له الوصول للسلطة.

ومن هذا الطرح, أرى أن كل فرد منا تمارس ضده صورة من صور جريمة الاغتصاب:

فالمواطن الذي تُقدم له السلع المغشوشة والملوثة يُغتصب مادياً وبدنياً من شخص يريد الثراء الفاحش ولكن بأساليب وقنوات غير شرعية.

والمواطن الذي يُقدم له الفن الهابط والثقافة المغلوطة والآراء الهدامة يُغتصب فكرياً من شخص يريد الشهرة ولكن بأساليب وقنوات غير شرعية.

والمواطن الذي تُصادر حريته ويكمم فمه وتكبل يداه يُغتصب من الناحية السياسية والإنسانية من شخص يريد السلطة ولكن بأساليب وقنوات غير شرعية.

فمتى يثور المجتمع وتتعالى الأصوات رفضاً لهذا الاغتصاب بشتى أشكاله, ومحاكمة كل مُغتصب؟

ومتى ينتفض رجال الإفتاء مطالبين بإقامة حد الحرابة على هؤلاء المغتصبين مثلما انتفضوا مطالبين بتطبيقه على مغتصب الرضيعة؟

يا سادة .. إن القيم الإنسانية لا تتجزأ, وستفاجئون بأن مُغتصب الرضيعة لم يطبق عليه ما يوجبه الشرع ولا القانون بحجة عدم اكتمال أركان الجريمة إما بحجة أنه مريض جنسياً,  أو مريض نفسياً, أو أنه مارس جريمته بالإصبع وليس بالفرج كما ذكرت بعض المصادر.. الخ . والثغرات في هذا الجانب لا تنتهي. 

هناك من لا يريد لهذا الذئب البشري عقاباً حتى يكون مشجعاً لأمثاله من الذئاب.

إن معظم الدراسات والإحصائيات تؤكد أن العديد من حوادث اغتصاب الأطفال لم يتم التبليغ عنها لأسباب عائلية، ويتم التكتم عنها خوفا من الفضيحة الاجتماعية.

جرائم الاغتصاب بشتى صوره في زيادة غير مسبوقة وهي كالنار التي يعلوها الرماد حتى إذا نشبت لا تُبقي ولا تزر.

هل سمعتم عن إغتصاب رضيعة – عمرها عام ونصف عام- حتى الموت في إحدى المستشفيات الخاصة وذلك حسب البلاغ المقدم بقسم السيدة زينب, ونشرت الواقعة بتاريخ 15 إبريل 2014 م؟

هل سمعتم عن إغتصاب الرضيعة ” رهف ” – عام ونصف عام- التي وصلت مستشفى بنها الجامعي جثة هامدة، وبفحصها تبين أن سبب الوفاة هو هبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة للاغتصاب وتحرر المحضر رقم 8196 إداري مركز بنها وذلك حسب ما نشر يوم 12 يناير 2017 م؟

لا يظن إنسان منا أنه في مأمن على نفسه ولا على أهله, فالفساد أصبح أكبر من أن يُحترز منه .

إن الهجمة منظمة لكي تأتي على بنيان هذا المجتمع من القواعد فلا تقوم له قائمة.

إنَّما أهْلَكَ الَّذينَ من قبلِكُم أنَّهم كانوا إذا سَرقَ فيهمُ الشَّريفُ ترَكوهُ وإذا سرقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عليهِ الحدَّ.

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …