الشعب يصنع الطاغية؟.. نعم .
(كيفما تكونوا يولَّ عليكم)؟.. نعم.
ولكن أيضاً:
(كيفما يولَّ عليكم تكونوا)؟ .. نعم .
والطاغية يصنع شعباً قابلاً للعبودية؟ .. نعم .
الشعب يصنع الطاغية، ولكن ليس عن إرادة حرة، فالفطرة الإنسانية السوية تأبى الخروج عن فطرة الحرية التي فطر الله الناس عليها.
ولكن الطغاة وأعوانهم هم من يفسدون فطرة الناس، ويخدعونهم ويسلبون إرادتهم، وأمام سلب الإرادة مع الجهل والمرض والفقر، يجد الشعب نفسه أعزل أمام ما يملكه الطاغية من أدوات الجبروت.
وليس هناك شعب لم يقع فريسة للطغيان مع تفاوتٍ في فترات الخضوع .
فالشعب الانجليزي الذي ثار على الملكية أسلم نفسه لديكتاتورية “كرومويل” ، والشعب الفرنسي الذي ثار على الملكية أسلم قياده لديكتاتورية “نابليون”.
وعليه, فليس هناك شعب مؤهل للحرية والديموقراطية وشعب غير مؤهل .
بل هناك شيء مؤكد هو : وجود حكم فاسد يفسد فطرة الناس ويخدعهم ويسلبهم إرادتهم ليتقبلوا العبودية .
وحتى تتضح الفكرة: الشعب التركي لم يحرك ساكناً أمام خمسة انقلابات عسكرية أعوام (1960-1971-1980-1993-1997 ).
بل إنه انتخب “كنعان إيفرين” قائد انقلاب 1980 بعد عامين من انقلابه بنسبة 90%, برغم أن انقلابه أسفر عن مقتل 171 شخصا تحت التعذيب، وإعدام 517 شخصا، وطّرد 30 ألف شخص من أعمالهم، وسحب الجنسية التركية من 14 ألف شخص.
كيف تغير هذا الشعب في سنوات معدودة ليبهر العالم الحر بإسقاط انقلاب عسكري في جزء من ليلة؟!
هل تغيرت جيناته؟ هل تم استبداله بشعب آخر؟!
كلا .. كل الذي تغير نابع من عكس (كيفما تكونوا يولّ عليكم) .. أي (كيفما يولّ عليكم تكونوا).
فقط عاد الناس لفطرتهم تحت حكم رشيد أحسوا فيه بإنسانيتهم وكرامتهم، ذاقوا معنى الحرية فلفظوا الديكتاتورية بكل ما أوتوا من قوة .
وبعد هذا الاستعراض، على من يقع اللوم: على الشعب المُستَعبَد؟، أم على من جعل منه شعباً مستعبداً؟
على شعب تخلّت حكومته عن تعليمه فاستقطع من قوت يومه للدروس الخصوصية أملاً في إنقاذ أبنائه؟
على شعب يصارع الفقر والمرض وبلاده تسبح على كنوز وخيرات يحسده عليها العالم؟
على شعب تخلت عنه نخبته من السياسيين والإعلاميين والفنانين والكتاب .. وباعوه على مذبح مطامعهم ومصالحهم المرتبطة بخطة تجهيل الشعب وإلهائه وسلب إرادته؟
هذا الشعب الذي يتندر الناس من صمته على سلب حريته وكرامته وأبسط حقوقه، يحسبونه صامتاً عن رضىً، وحقيقة صمته يعبر عنها أبو العلاء المعري:
“على الذم بِتْنا مُجْمِعين وحالُنا .. من الرعب حال المُجْمِعين على الحَمْدِ”
بدلاً من أن نلعن هذا الشعب, علينا بتوجيه بوصلة اللعن إلى من ساهم في تجهيله وتجويعه وإمراضه، علينا أن نساهم في كسر جدار الخوف والجهل ولو بثقب إبرة ينفذ منه نور الأمل والوعي والجرأة والشهامة .
ليس هناك شعب غير مؤهل للديموقراطية .
ولكن هناك طغاة يؤهلون شعوبهم لتقبل الديكتاتورية .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات