فلسفة العمارة الإسلامية هي فرع عن النظرة الإسلامية للكون.
فالنظرة الإسلامية للكون تقوم على التكامل والتمازج بين: النفع والجمال.
فللسماء نفعها ولكن أيضاً: (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ).
وللنباتات نفعها ولكن أيضاً: (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ).
وللدواب نفعها ولكن أيضاً: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ).
وللبحار نفعها ولكن أيضاً: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَة تَلْبَسُونَهَا).
وهذه هي فلسفة العمارة الإسلامية: التكامل بين النفع والجمال.
وهل في هذا شذوذ أو تفرد عن فلسفة العمارة عموماً؟
لنتابع ..
ولنبدأ بأيقونة من أشمل وأجمل أيقونات العمارة الإسلامية المعبرة عن فلسفة العمارة الإسلامية وهو قصر الحمراء .
يتجلى في هذا القصر التكامل بين منافع السكن والراحة والهدوء, مع الجمال والرونق والبهاء.
امتزاج عجيب بين جدران وأسقف السكن وبين الطبيعة؛ فحيثما حللت في كل ركن من أركان القصر تنساب في سمعك سيمفونية يعزفها خرير الماء وحفيف أوراق الأشجار وتغريد الطيور.
وتطل عيناك من نوافذه وباحاته على السماء وتستقبل نور الشمس وضوء القمر وتستمتع بالمروج الخضراء ومجاري الماء, ويملأ أنفك شذى الورود والرياحين والليمون والياسمين.
ويحتار عقلك في تفسير آيات الجمال التي تزين الأسقف والجدران، التي تزدان بفن تجريدي عجيب في جماله ودقته وتناسقه وتداخل زخرفته مع تشكيلات حروف الكتابة العربية .
فهل هذا القصر يشبه قصور أوروبا؟
يُجيب “جوستاف لوبون” في كتابه القَيم (حضارة العرب):
(لا يشابه قصرُ الحمراء قصور أوروبا مطلقاً، فليس فيه ممرات وصالونات فخمة مملة باردة مثل قصورنا الأوروبية التي صُمِمَت ليعجب بها الزائرون، لا لتلائم ساكنيها).
ويؤكد هذا المعنى ما ذكره “يحيى حقي” في إحدى مقالاته المجموعة في كتابه:” في محراب الفن”: ( إنني حين دخلت قصر “فرساي”، سألت نفسي كيف كان يعيش أهله فيه؟ حمدت الله أنني لم أكن لويساً – حتى ولو الرابع عشر – كيف كنت أستطيع أن أنعم بالحياة في مسكن لا أَنفَكُّ أُصاب فيه بزكام من شدة تيارات الهواء، أُحِس أنني مضيع لا أتهنى بخلوة مريحة في هذه السلسلة التي لا تنتهي من الصالونات والممرات، أضف إلى ذلك أنني لم أجد حماماً ولا مرحاضاً)!
إن هذه المقابلة بين نموذج العمارة الإسلامية والعمارة الأوروبية هي مقابلة بين فلسفتين، أو بين نظرتين مختلفتين للحياة.
الأوروبية تعتمد على خطف الأبصار بمظاهر الإبهار، تهتم بالمظهر على حساب الجوهر، محصورة فى الدنيا ومادياتها، فانعكس ذلك على إنتاجها الحضاري والفني. فالفنان هنا محبوس داخل المادة المحسوسة, لم يتجاوز خياله ما تراه عيناه، فأنتج تماثيل ورسومًا تمجد شخص الملوك وتمثل شخوصًا وأحداثاً، وفى أبعدها خيالًا تمثل بعض أساطير اليونان.
أما الفلسفة الإسلامية القائمة على التكامل بين النفع والجمال، فتهتم بجوهر الإنسان وروحه قَدْرَ اهتمامها بمتطلبات جسده، فلسفة أطلقت العنان لخيال إنسانها ليسبح فى عالم آخر، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فأنتج فنانها من طين الأرض وخاماتها الرخيصة فنونا بديعة لا تجد لها مثيلا فيما تقع عليه عيناك في الدنيا.
هنا في “قصر الحمراء” ليس فقط تكامل بين النفع والجمال، أو بين الجدران والطبيعة، بل بين الجسد والروح، بين الأرض والسماء، حيث الشعار الذي يملأ المكان ويزين الأسقف والأعمدة والجدران:
( ولا غالب إلا الله ).
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات