محمود صقر
محمود صقر

محمود صقر يكتب: مصر التي كانت أم الدنيا

المؤرخ الانجليزي الشهير “أرنولد توينبي” انتقده زميله “آرنست باركر” لأنه في موسوعته التاريخية أعطى مساحة لانجلترا تبلغ سدس المساحة التي خصصها للحديث عن الحضارة المصرية القديمة، فعلل توينبي ذلك بأن مصر ظلت محور التاريخ العالمي لثلاثة آلاف عام من تاريخ العالم الحضاري البالغ خمسة آلاف عام.
تلك المقولة تصدقها ما خلفته الحضارة المصرية القديمة من آثار.
فآثار الحضارة المصرية هي النجم اللامع المتلألئ في سماء كل المتاحف العالمية والمتربع على عرشها، والمتحف البريطاني واحد منها.
تتجول في المتحف البريطاني فتجد التزاحم الشديد من رواد المتحف في أقسام الحضارة المصرية القديمة دون سائر الأقسام .
فمن حيث العدد هي الأكثر عددا، ومن حيث القِدَم هي الأقدم، ومن حيث الجاذبية يشهد لها تزاحم رواد المتاحف أمامها، ومن حيث الدقة والإتقان لا تنافسها إلا التماثيل الرومانية واليونانية .
أما ما لا يقبل المنافسة على الإطلاق فهو تصويرها الكامل لمعنى الحضارة، أو بمعنى آخر هي الآثار الوحيدة التي تعطي صورة متكاملة عن مسيرة الإنسان وعمارته للأرض، فنحن هنا لسنا فقط أمام تماثيل بديعة الصنع مما تركه الرومان واليونان, أو أمام آثار لملوك الحضارة الفارسية أو تصوير لآلهة الهند المزعومة وأساطيرها، أو جداريات صيد ملوك آشور للأسود .
نحن هنا أمام تصوير شامل ودقيق للنشاط الإنساني.
فبجوار تماثيل الفراعنة ومعابد الآلهة تجد أدق تفاصيل النشاط الإنساني من النشاط الزراعي وأدواته وحيواناته ومحاصيله وكيفية زراعته، والصيد ومراكبه وأنواع أسماكه، والمنزل وكيفية بنائه ومحتوياته، وحتى مشط الشعر والكراسي والأواني .

وكما يوجد (تمثال الكاتب) كواحد من أقدم التماثيل في متحف “اللوفر” يوجد (حجر رشيد) في المتحف البريطاني لإلقاء الضوء على أهمية الكتابة في مسيرة الحضارة ودور المصريين فيها.
تجد قمة ما وصل إليه علم التحنيط الذي لم تُكتَشَف أسراره بعد، تجد تقنية استخدام ألوان في الرسم والنحت ظلت ثابتة آلاف السنين، تجد تطلع الإنسان في معرفة طريقه الممتد خلف هذه الحياة القصيرة التي يحياها على الأرض وما سطرته آثار الحضارة المصرية في هذا الطريق ومنها كتاب “الموتى”، وهو من أهم مقتنيات المتحف البريطاني.
تلك الآثار تقول بوضوح لا يقبل الشك إن حضارة مصر القديمة كانت الأطول عمرا والأكثر عطاء وتأثيرا في مسيرة الإنسان على كوكب الأرض، وهي الحضارة التي تربعت على عرش حضارة العالم وكانت من العالم بمثابة أمريكا من عالم اليوم .
وبمنظور أوسع, يدرك الإنسان صدق هذه الآثار في دحض أكذوبة تميز جنس على جنس، وأكذوبة نهاية التاريخ التي ابتدعها الغرب ليقول إن حضارته الحالية حسمت مسيرة تطور الإنسان.
فليست هناك ريادة استمرت لشعب دون الشعوب أو جنس ظل متفوقا على سائر الأجناس، ولكنها أيام يداولها الله بقدرته وحكمته بين الناس.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …