خلال عام واحد، ارتفع الدين الخارجي لمصر بنسبة 41.5%، وهي طفرة غير مسبوقة في نسب ارتفاع الدين الخارجي الذي تترتب عليه نسب فوائد تثقل كاهل الاقتصاد المصري؛ المثقل بالديون أصلا، كما يستلزم سداده توفير مبالغ طائلة من العملة الصعبة التي لم تتعاف بعد من أزمتها، حتى أن مراقبين وصفوا النظام المالي المصري بأنه بات يغرق في دوامة الدين الخارجي التي لا تنتهي.
وقبل أيام من صدور تقرير البنك المركزي المصري الذي أعلن الارتفاع الكبير في الدين الخارجي، فاجأ محافظ البنك المركزي طارق عامر، الجميع بإعلان اعتزام البنك رد مديونيات بقيمة 5.2 مليار دولار مستحقة لبنك التصدير والاستيراد الأفريقي «Afrexim Bank» قبل نهاية ديسمبر المقبل، وهو الدين الذي لم يكن معلنا، ولم يتم إدراج هذه المليارات ضمن خطة السداد التي سبق أن أعلنها البنك نفسه قبل ثلاثة أشهر، وهو ما يرفع قيمة القروض المستحقة على مصر قبل نهاية العام الحالي إلى ما يزيد على 13 مليار دولار.
الأسوأ من ذلك؛ أن «الدين السري» الذي لم يتم الإعلان عنه مسبقا أو إدراجه في خطط البنك ولا بياناته، يضرب الثقة في تلك البيانات والخطط في مقتل، في وقت تعتبر فيه الثقة في البنوك والاقتصاد وشفافية الإجراءات رأس مال لا يعوض، فإذا كانت تلك البيانات غير دقيقة مرة.. فمن يضمن أنها ستكون دقيقة مرارا؟ أو من يجزم بأنه لا توجد «ديون سرية» أخرى؟ وكيف يتم التعاقد على قرض بهذه القيمة مع جهة أجنبية دون أن يعرض الأمر على البرلمان؟ إذا لم تكن بيانات البنك المركزي موثوقة.. فلا أحد يضمن شيئا.
وقد أفاد تقرير البنك المركزي الصادر الخميس الماضي بأن الدين الخارجي لمصر ارتفع إلى 79 مليار دولار في يونيو 2017 مقابل 55.8 مليار دولار في نفس الشهر من عام 2016.
سياسة استدانة توسعية
نسبة ارتفاع الدين الخارجي كشفت سياسة النظام الحالي التوسعية في الاستدانة الخارجية خلال الشهور الماضية.
وتوصلت مصر لاتفاق مع صندوق النقد الدولي وحصلت على 4 مليارات دولار من إجمالي قرض بقيمة 12 مليار دولار.
وإلى جانب قرض الصندوق، طرحت مصر سندات دولية بقيمة 7 مليارات دولار، و 5.2 مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الأفريقي، إضافة لتلقيها ملياري دولار من البنك الدولي و500 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية.
وأوضح المركزي أنه جرى تمويل هذه الزيادة بنسبة كبيرة من مصادر ذات تكلفة منخفضة وعلى فترات سداد طويلة الأجل.
واعتبر أن الدين الخارجي لا يزال في الحدود الآمنة لكون القروض الخارجية قصيرة الأجل تعادل 39% من صافي الاحتياطيات الدولية.
الدين السري
وكثيرا ما لجأ النظام المصري إلى التضخيم من إنجازات عبدالفتاح السيسي؛ رئيس سلطة الانقلاب العسكري في ظل المصاعب التي يواجهها الاقتصاد المصري وطرح تساؤلات حول استمرار العمل بالعاصمة الإدارية الجديدة أو مشروع حي الأسمرات أو أنفاق القناة أو مشروع جبل الجلالة عن مصدر هذه الأموال.
غير أن «الديون السرية» -التي لا يعلم مداها إلا الله- يمكن أن تمثل دلالة واضحة على قصور تلك المعجزات وتعطي الإجابة الواضحة لهذه التساؤلات، كما يمكن أن تكون تفسيرا للارتفاع المتزايد في الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية الذي يعلن عنه البنك المركزي، رغم أن تلك المشروعات معظمها استثماري يمكن تمويله بالدفع الجزئي المسبق كما يتم في بيع وحدات سكنية أو أراض في العاصمة الإدارية الجديدة.
وتتوزع المديونيات بواقع 3.2 مليار دولار في شكل قرض قصير الأجل، و2 مليار دولار سيولة حصل عليها البنك المركزي عبر عملية إعادة شراء أوراق مالية حكومية مع المصرف الأفريقي من خلال آلية يطلق عليها «RIPO»، وذلك عقب تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر 2016، بغرض تعزيز موقف العملات الأجنبية لديه.
وأكد عامر أن رد مستحقات البنك الأفريقي يسهم في تحقيق خفض كبير في الالتزامات الخارجية.
دوامة الديون اللانهائية
وأرجع خبراء اقتصاديون عدم إعلان قيمة هذا القرض لمجموعة من الأسباب أبرزها، عدم الشفافية، والتغطية على أخطاء الحكومة، فضلا عن أنه قرض قصير الأجل.
وقال الخبير الاقتصادي سرحان سليمان في تصريحات صحفية محلية إن السبب الرئيسي فى إخفاء البنك المركزي هذه المديونيات وعدم وضعها فى خطة السداد، عدم الشفافية الموجودة فى مصر”
وأضاف سليمان، أن عدم الشفافية أدى إلى أننا لم نعرف متى استلمت مصر قيمة هذه المديونيات ولماذا اقترضتها وأين تم صرفها وكيف سيتم تسديدها، مشيرا إلى أن عدم الإعلان نوع من التغطية على سلبيات الحكومة وخاصة أنها تدور فى دوامة الديون التى لا تنتهى.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن القروض الخارجية يجب أن يوافق عليها البرلمان قبل استلامها وإذا كانت الحكومة تخفى أخبارها عن الشعب كان يجب على البرلمان القيام بدوره ويعلن تفاصيل هذه المديونيات فى حالة موافقته عليها.
ومن جانبه، كشف الباحث الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي أن هناك 3 أنواع من الديون والقروض، تتمثل فى: قصير الأجل ومدتها أقل من عام، ومتوسطة الأجل ومدتها حتى 3 أعوام، وطويل الأجل أكثر من 3 أعوام.
وأضاف الولي أن سبب عدم إعلان البنك المركزي عن تلقي 5.2 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأفريقي، يتمثل فى أن هذه المديونيات قصيرة الأجل، وقد يرى البنك المركزي فى بعض الأحيان إمكانية عدم الإعلان عن القروض قصيرة الأجل لأن توقيت سدادها سريع عكس القروض متوسطة وطويل الأجل.
غير أن الأزمة تكمن في فوائد هذه الديون السرية أو حتى تلك المعلنة التي توسع فيها النظام بنسبة كبيرة، حيث يشبه الخبراء الماليون تلك الديون المتفاقمة عندما تتكاثر بالدوامة التي تبتلع المنظومة المالية شيئا فشيئا، وتعوق حركتها، ويظل النظام يدور فيها إلى أن يغرق، فكلما سدد جزءا.. شكلت فوائد الديون عبئا جديدا مضافا.
النظام المالي المصري الآن يغرق في «بحر الديون»، كما أنه بسبب «ديونه السرية» يغرق في الظلام، كي لا يرى الشعب مستوى الغرق والانحدار.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات