من محراب الصلاة إلى محراب الحياة

وقف مصور (الفضائية المصرية) يصور صلاتنا للتراويح في إحدي ليالي رمضان، وأحسست مع غيري أننا نُحسن السمت ونبالغ في الخشوع, لأن شاشة (الفضائية) ستنقل صورنا وصلاتنا – من أمريكا – للمشاهدين, هنا وهناك .

وفجأة .. انتابتني قشعريرة شديدة, لم أعهدها من قبل؛ تذكرت معها (آلة التصوير الإلهية) التي لا ترقب الظاهر فحسب, بل ترقب الباطن.. ولا تغيب عن الإنسان, ولا يغيب عنها, أينما حل, وحيثما كان.

وتساءلت – والقشعريرة تهزني – هل نجوِّد الباطن أمام (آلة التصوير الإلهية) التي لا نغيب عنها, كما جودنا الظاهر أمام (آلة التصوير البشرية)؟!

ومن محراب الصلاة إلي محراب الحياة, وجدتني أمام أسئلة كثيرة في حياتنا:

هل نجود المعاني كما نجود الحروف؟

هل نجود الحقائق كما نجود الصور؟

هل نجود الباطن – وهو محل نظر الله – كما نجود الظاهر, لأنه محل نظر الناس؟

هل نحسن العمل ونتقنه كأن الله يرانا ؟

وما انتهيت من الأسئلة حتي انسابت عليَّ الأدلة -التي زادت من قشعريرتي وخوفي- تتري:

– (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) الأعراف 7

– (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) الطارق9.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا نبي الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف 110

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم) رواه مسلم وابن ماجه.

وبُعيد الصلاة, سجلت لإخواني المصلين, ما انطبع في نفسي, واهتز له قلبي, فانسابت العبرات, حياءً, بعد ما انكشفنا أمام أنفسنا – في لحظة ضعف أمام (آلة التصوير البشرية) – وأحسسنا أننا عراة أمام الله عز وجل, مكشوفون له, لايسترنا عنه شئ, بمظهرنا ومخبرنا .. فهو جل جلاله الأجدر والأحق وحده وليس غيره أن نحسن له المظهر, ونجود له المخبر, ونتوجه إليه بكل كياننا؛ قلبا وقالبا, وعاطفة وفكرا وسلوكا.

وارتفع صوتي بقول محمد بن الترمذي: (اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك, واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك, واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه, واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه).

ووجدتني, وأمتي؛ أفرادا وجماعات, حكاما ومحكومين, أحوج ما نكون إلي تلك المعاني, التي تحمل الإنسان علي احترامه لذاته أينما كان, فتجعل انضباطه واستقامته في الحياة, لا من سلطان رغبة أو رهبة, بل من نفسه التي انطبعت بطابع الإيمان, وانصبغت بصبغة الإسلام .. (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) البقرة 138

إن الأمة لن ترقي وينتظم شأنها, بإصدار القرارات, وسن القوانين, ويقظة الحراسة, مع أهمية ذلك كله, وإنما ترقي وينتظم شأنها برجال: مظهرهم كمخبرهم, ما خانوا ضميرا, ولا شهدوا زورا, ولا غشوا فجورا, بل رعوا ضميرا, وشهدوا حقا, وقالوا عدلا وصدقا.

وقد قيل من قبل ومن بعد: ( العدل ليس في نص القانون وإنما هو في ضمير القاضي) .

ولله در من قال:

لن يصلح القانون فينا رادعا … حتي نكون ذوي ضمائر تردع

ورحم الله الإمام البنا حين قال كلمة تبني أمة, وتصنع حضارة: ” إذا وجد المسلم الصحيح, وجدت معه أسباب الصلاح والنجاح”.

………………………

داعية وباحث أكاديمي في الفكر الإسلامي

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …