تشكل أزمة الخليج الراهنة أكبر تهديد لمجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه في العام 1981، حيث لم يسبق أن شهدت المنطقة أزمة سياسية بهذا الحجم وهذا العمق، كما لم يسبق منذ استقلال دول الخليج الست أن تعرضت أي دولة من دوله لحصار اقتصادي وسياسي كالذي تتعرض له قطر حاليا، وهو ما دفع إلى فتح باب الأسئلة واسعا عن مستقبل مجلس التعاون الخليجي، ومن بين أبرز التساؤلات: هل دول الخليج ملزمة بتوحيد سياساتها الداخلية أو الخارجية؟.
أجاب على هذا التساؤل أستاذ العلوم السياسية الكويتي فهد المكراد، وقال إن دول مجلس التعاون الخليجي «غير ملزمة بتوحيد سياساتها الداخلية أو الخارجية»، فيما اعتبر مفكر قطري، أن دول المجلس لديها إمكانية لأن تكوّن اتحادا فيدراليا.
وأوضح المكراد، في لقاء على تلفزيون «العربي»، أن لدول مجلس التعاون مجالا وحيزًا واسعين لأن يكون لكل منها سياستها الحرة والبعيدة عن نظيراتها لدى دول المجلس الأخرى.
ولفت إلى أن مجلس التعاون «منظومة تنسيقية تعاونية ولم يرق لمستوى الاتحاد الذي ينسق أو يوحّد السياسات الخارجية أو الإعلامية أو حتى الدفاع الاستراتيجي المشترك”، معتبراً ذلك سبباً في وجود مشكلات، أوهفوات بين دوله.
وطالب بأن يتحول مجلس التعاون بعد حل الخلافات الراهنة من منظومة التنسيق إلى منظومة الاتحاد الفيدرالي (حكومة مركزية ووحدة حكومية أصغر تتقاسمان السيادة دستوريا) أو حتى اتحاد كونفدرالي (تفويض هيئات مشتركة لاعتماد سياسات موحدة في بعض المجالات مع تمتع الدول بالسيادة والاستقلال).
وقال المكراد، إن العالم العربي كله يعاني من أزمات ومشكلات، لذا فإن الاتحاد ضرورة استراتيجية.
وأكد أنهم في الكويت متفائلون لما يقوم به أمير البلاد صباح الأحمد، فقد حمل على عاتقه دور الوساطة بين الأشقاء في مجلس التعاون, وأضاف أن أمير الكويت حصل على دعم أمريكي وأوروبي ومنظمات دولية لجهود الوساطة؛ ولذا فالكويت مستمرة في جهودها.
وأكد الخبير الكويتي، أن الحل يكمن، بدايةً، داخل البيت الخليجي بين الأشقاء، عبر الوساطة الكويتية.
وأوضح ليس هناك ما لا يمكن حله ولا بد من أرضية مشتركة، سواء الدول التي حملت راية المقاطعة أو الدول التي حصرت المشكلة في قطر.
ولفت إلى أن قطر دولة مؤسِسة في مجلس التعاون، ولها دور بارز في المحافل الدولية والإقليمية والعربية.
اتحاد فيدرالي
من جانبه، قال المفكر القطري، على الهيل، إن إنجازات قطر المتعددة في مجالات السياسة والاقتصاد واستضافتها لكأس العالم 2022، ألّب عليها دول الحصار.
وأكد أن دول الخليج لديها إمكانية لأن تكون اتحادا فيدراليا وليس كونفدراليا؛ «لأنها مجموعات قبلية أو عائلات متجانسة».
وأرجع الهيل أزمات منظومة دول التعاون إلى أنها لم تكن أبدا منظومة لخدمة الشعوب بل لخدمة الأنظمة الحاكمة، وفقاً لتعبيره.
التهديد الأكبر لمجلس التعاون
وكان مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد تأسس كنتيجة لاجتماع انعقد في الرياض يوم 25 مايو 1981، ومنذ ذلك الوقت ظلت العاصمة السعودية هي المقر الرئيس للمجلس، وإن كان الفضل في فكرة إنشاء المجلس يعود إلى أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح.
ويشهد مجلس التعاون الخليجي أعنف وأعمق انقسام في تاريخه منذ اتخاذ ثلاث من الدول الأعضاء؛ هي السعودية والإمارات والبحرين قراراً مفاجئاً صباح الخامس من يونيو الماضي بقطع كافة العلاقات الدبلوماسية والسياسية والتجارية مع قطر، وإغلاق حدودها البرية الوحيدة مع السعودية، إضافة إلى وقف كافة الرحلات الجوية التي تربط هذه الدول الثلاث بالدوحة، وإغلاق المجالات الجوية لها أمام الطائرات القطرية، وبعد أسابيع من هذا الإجراء تقدمت هذه الدول بقائمة مطالب من 13 بنداً للدوحة وطلبت تنفيذ هذه المطالب مقابل رفع الحصار عن قطر.
ويقول الكثير من المراقبين إن المجلس تأسس في العام 1981 من أجل الاتحاد في مواجهة الخطر الإيراني بعد عامين على الثورة الإسلامية التي أطاحت بحكم الشاه في طهران، ولاحقا لتأسيسه تم إنشاء قوات عسكرية مشتركة حملت اسم «درع الجزيرة» كما تم إبرام اتفاقية للدفاع المشترك بين الدول الأعضاء في المجلس، لكن هذه الاتفاقية وهذه القوات لم تفلح في التصدي للغزو العراقي للكويت في العام 1991 أي بعد عشر سنوات من تأسيس المجلس.
لكن مجلس التعاون الخليجي ظل طوال السنوات الماضية التكتل السياسي الأهم والأكثر تماسكاً في منطقة كانت تعصف بها الأزمات، حيث يبلغ عدد سكان دول المجلس مجتمعة 50 مليون نسمة نصفهم من الأجانب حسب أرقام الأمانة العامة لمجلس التعاون، كما أن دول الخليج الست تضخ 17.5 مليون برميل من النفط الخام يوميا، أي نحو خُمس الإنتاج العالمي و55% من إنتاج منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وهو ما يجعل من مجلس التعاون تكتلا اقتصاديا مهما.
ونهاية الشهر الماضي، قال «مركز أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي إن الأزمة التي تعصف بالخليج حاليا ترسم ظلالا من الريبة على فكرة الوحدة الخليجية، مشككا في قدرة الوساطة الكويتية على إنهاء الخلاف الحالي.
واعتبر أن تجربة مجلس التعاون الخليجي أكثر نجاحا من صيغ وحدوية أخرى عاشها العالم العربي، لاسيما «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958، و«اتحاد المغرب العربي» الذي دشن عام 1989.
وقد وصف المركز الأزمة الحالية التي تعصف بالخليج بأنها الأصعب التي واجهها مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه, حيث أعادت إلى الأذهان حقيقة أن تدشين المجلس مثل تعبيرا عن الرغبة في العثور على صيغة متفق عليها بين الدول الخليجية لضمان تعزيز الأمن الخليجي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات