قال عدد من الخبراء أن قرار السلطة الفلسطينية بعودة العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، له أهداف عدة يأتي في مقدمتها أن السلطة تخشى على وجودها، واستبدالها بقادة آخرين، مؤكدين أن محمود عباس استخدم ورقة المصالحة الفلسطينية من أجل كسب الوقت وما ستسفر عنه الانتخابات الأمريكية، وبمجرد الإعلان عن فوز بايدن، خلع يده وانسلخ من وعوده بإنهاء ملف المصالحة.
فقد أعلن السفير الأمريكي في “إسرائيل” أن البيت الأبيض يدرس إمكانية استبدال قادة السلطة الفلسطينية وعلى رأسهم محمود عباس، بمحمد دحلان.
وأضافوا، في أحاديث للأناضول، أن أسباب سياسية ومالية دفعت السلطة إلى إعادة العلاقات مع إسرائيل، التي كانت تخشى هي الأخرى من انفجار غضب الفلسطينيين؛ جراء أزمة مالية خانقة هي أبرز مسبباتها، بحرمان السلطة من أموال الضرائب.
الهرولة وراء الاحتلال
وقال وزير الشؤون المدنية الفلسطيني، حسين الشيخ، الثلاثاء، إن الجانب الفلسطيني تلقى رسالة رسمية من الحكومة الإسرائيلية تعلن فيها التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وأضاف الشيخ، في تصريح متلفز: “نحن أمام رؤية سياسية جديدة، وهي أن الحكومة الإسرائيلية ملتزمة بالاتفاقيات، وهذا يعني أن كل مشروع آخر يستهدف تصفية القضية لم يعد موجودا على الطاولة”.
واعتبر أن “ما تحقق اليوم إنجاز سياسي وانتصار عظيم للقيادة الفلسطينية”، حسب زعمه.
وتابع: “أهمية الرسالة تكمن في كونها الأولى من نوعها في عهد (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو، وليس بعودة العلاقات مع إسرائيل”.
وكانت السلطة الفلسطينية أوقفت التنسيق مع إسرائيل، منذ أن أعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في 19 مايو/أيار الماضي، أن السلطة “في حِل من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع إسرائيل”.
وجاءت تلك الخطوة احتجاجا على مخطط إسرائيلي يستهدف ضم نحو ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة، كان مقررا البدء بتنفيذه مطلع يوليو/ تموز الماضي، لكن مسؤولين إسرائيليين أعلنوا تأجيله.
والتنسيق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ذو شقين أمني ومدني، وهو أحد إفرازات اتفاق أوسلو، الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 1993.
رسائل السلطة إلى بايدن
قال سليمان بشارات، مدير مركز يبوس للدراسات، في حديث للأناضول، إن القرار الفلسطيني بقطع العلاقات مع إسرائيل راهن على عامل الزمن، المتمثل برحيل إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وقدوم إدارة جديدة، وهو ما تحقق في الانتخابات الأخيرة بفوز بايدن.
وأضاف: “السلطة لا تريد أن تبدأ مرحلة جديدة مع إدارة أمريكية جديدة في ظل استمرار حالة الصراع والمواجهة، إنما تريد أن ترسل رسائل مفادها أنها ملتزمة بالاتفاقيات والمفاوضات ومستعدة للحديث مع الإدارة الجديدة”.
ويؤدي الرئيس الأمريكي المنتخب اليمين الدستورية في 20 يناير/ كانون الثاني المقبل.
وأرجع عودة العلاقات إلى قلة الإمكانيات المالية الفلسطينية، حيث دخلت الحكومة الفلسطينية في أزمة مالية خانقة، لعدم تحويل الجانب الإسرائيلي أموال المقاصة (الضرائب)، ما انعكس سلبا على قدرة الفلسطينيين على صرف رواتب الموظفين الحكوميين.
ورأى أن عودة العلاقات قد يعطي أملا بعودة الدعم الأمريكي المادي للسلطة الفلسطينية والمتوقف كليا في الوقت الراهن.
السلطة تخشى على وجودها
لكن ثمة دوافع داخلية أيضا، فالسلطة الفلسطينية، وفق بشارات، باتت تخشى على وجودها، وتريد بعودة العلاقات قطع الطريق على أي مخططات من شأنها تغيير القيادة السياسية.
وتابع أن السلطة سعت إلى امتصاص الغضب المتزايد في الداخل الفلسطيني، إثر الأزمة المالية الخانقة، التي عصفت بكل المكونات، وخاصة الموظفين الحكوميين.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، جهاد حرب، إن لقرار العودة مسببات عديدة، منها ما هو سياسي ومالي.
وأردف: “فوز إدارة أمريكية جديدة في الانتخابات بدد المخاوف الفلسطينية من تطبيق صفقة القرن.. الإدارة الجديدة ستعمل على إعادة النظر في العملية السياسية”.
و”صفقة القرن” هي خطة أمريكية أعلنها ترامب في يناير/ كانون الثاني الماضي، وتتضمن تسوية سياسية مجحفة بحق الفلسطينيين ومنحازة لإسرائيل.
ومفاوضات السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي متوقفة منذ أبريل/ نيسان 2014؛ جراء رفض إسرائيل إطلاق سراح معتقلين قدامى ووقف الاستيطان والقبول بحدود ما قبل يونيو/ حزيران 1967 أساسا لحل الدولتين.
واستطرد: “إذا المسببات لقطع العلاقات مع إسرائيل تبددت، وبالتالي كان هناك قرار بعودة العلاقات”.
وشد على خطورة الوضع المالي للحكومة الفلسطينية، فبعد ستة أشهر من حجز أموال المقاصة، بات الانهيار قاب قوسين.
وتابع: “أيضا إسرائيل ترى أن هناك ضرورة لعودة العلاقات، فاستمرار الأزمة المالية قد يفجر الأوضاع ميدانيا، وهو ما لا تريده”.
واعتبر حرب أن هذا “القرار (إعادة العلاقات) ليس هزيمة فلسطينية، كما أنه ليس انتصارا، بقدر ما هو حاجة وضرورة”.
المصالحة مناورة سياسية
قال مختصون في الشأن السياسي إن إعلان السلطة الفلسطينية عودة العلاقات مع “إسرائيل” حلقة أخيرة في جولة المصالحة الفلسطينية التي كانت تسير بـ”إيجابية”، ومقدمة لحلقة جديدة من مسلسل المفاوضات المتعثرة مع “إسرائيل”، حسب وكالة صفا.
وجاء إعلان السلطة المفاجئ بعد حراك مكثف بُذل خلال الأشهر الماضية لإنهاء انقسام ظل يفتك بالحالة الفلسطينية منذ 13 عاما، ولاسيما مؤتمر الأمناء العامين للفصائل في بيروت ورام الله مطلع سبتمبر الماضي، ثم حوار إسطنبول الذي عقد بين حركتي فتح وحماس منتصف الشهر نفسه، وآخرها حوار القاهرة
ويعتقد المحلل السياسي “ذو الفقار سويرجو” أنه “لم تكن هناك نية حقيقية من السلطة بالذهاب إلى المصالحة، وإنما كانت مجرد مناورة من الرئيس محمود عباس والفريق المحيط به من أجل كسب الوقت، وانتظار الانتخابات الأمريكية ونتائجها”
ويرى سويرجو في حديث مع وكالة “صفا” أن “السلطة بهذه الخطوة أدارت الظهر مرة أخرى لكل الجهود التي بُذلت من أجل تحقيق اختراق في ملف المصالحة، ما يمثل عودة إلى المربع الأول من الانقسام، والرجوع للجدل السياسي الداخلي، وتحميل كل طرف المسؤوليات للآخر”
ويقول إن: “السلطة لم تعد مفاوضا فلسطينيا مع الاحتلال من أجل تحقيق تسوية سلمية، بل أصبحت للأسف الشديد جزءًا من مكونات الاحتلال خاصة أنها تلقت رسائل من جهات عسكرية غير مخولة بهذا الملف، وليس من جهات سياسية”، على حد وصفه
ومن المتوقع أن تقدم السلطة بعض التسهيلات لقطاع غزة كإعادة الرواتب كاملة، وإنهاء بعض القضايا المالية العالقة للموظفين؛ من أجل إخفاء الوجه “القبيح” لما قامت به، وكسب صمت الكثيرين، وفق “سويرجو”
“انسلاخ عن المسار الوطني”
أما المحلل السياسي حسام الدجني، فيشير إلى أن تزامن إعلان السلطة عودة العلاقات مع إسرائيل كما كانت، مع اجتماع حركتي حماس وفتح في القاهرة، “يثبت أن الرئيس عباس يستخدم حماس في معاركه الشخصية لمواجهة خصومه داخليًا وخارجيًا”
ويقول في حديث مع وكالة “صفا”، إن الرئيس “يوظّف كل الأوراق لتحقيق أهدافه المتمثلة في العملية السياسية، من أجل البقاء في السلطة.
يذكر أن الفصائل الفلسطينية استهجنت قرار عودة العلاقات بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي والذي يصب في صالحها، إضافة أن ذلك سيؤدي إلى تمزيق الصف الفلسطيني وتبديد آمال المصالحة الفلسطينية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات