كالليل والنهار، والظلام والنور؛ لا يحب أحدهما الآخر! فإذا ما حل واحدٌ طرد صاحبه. فكذلك السفيه والعاقل؛ يتعارفان باختلافهما, وقد قيل: بضدها تتميز الأشياء.
والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، قليل العقل والحلم، قليل المعرفة بالمصالح والمضار.
والويل كل الويل لأمةٍ تولى أمرها سفهاؤها؛ أعداء العلم والنور، ومحبو الجهل والزور، هؤلاء الذين إذا ما تصدر أحدهم, عاث في الأرض فساداً وخراباً، وأعمل في بني جلدته سيفه ضرباً وتقتيلا وتعذيباً، ونفياً وتشريداً، ففرق العباد، وأضعف البلاد، ووالى أعداء الأمة، وعادى أصدقاءها بل وإخوانها!
هؤلاء عادةً ما يتصدرون المشهد بطريقة غير شرعية، يغيب فيها الحق والعدل، ويحضر فيها الظلم والقتل، ويكثر فيها الحبس والسجن، وتسيل فيها الدماء أنهاراً, لا لشيء إلا لأنهم يعلمون أنهم غير مؤهلين ولا جديرين بهذه الولاية، فيسلكون سلوك أرباب العصابات والفتوات، شعارهم فيها لا صوت يعلو فوق صوت القوة والبطش، والقطع جزاء لكل هَامة بالعز تُرفع، والصمت فرض على كل عقل يُفكر أو لسان يُذَّكر! ورغيد العيش عندهم من أحنى لهم الرأس، وأغمض عنهم العين، وصم عندهم الآذان، وفعل ما أُمر به دون ما تبرير ولا نقاش.
وحين يغيب العقل، ويغيب معه أصحاب الألباب والنهى، والرأي والمشورة والحكمة؛ يحضر أهل الزيف والنفاق والجهل والتضليل، وتُهيمن على المشهد عقلية الخوف من كل شيء، حتى من الشمع والشمس؛ مصدرا النور والصبح. فالعلم نور والظلم ظلام ومن طبيعة النور تبديد الظلام .
وانظر ما فعله سفهاء التاريخ بأممهم، وما أحلوا بها من محن ومصائب، وأدخلوها بغرورهم في حروب أكلت أخضرها ويابسها، وأزهقت أرواح شبابها، تحت شعارات الزيف والخداع، تارة باسم القومية، وتارة باسم الوطنية، ومرة باسم محاربة الامبريالية والهيمنة الغربية.
فهذا ماوتسي تونج؛ الزعيم الصيني، قد أزهق أرواح ملايين من شعبه في طريقه إلى عرش الصين، وجوزيف ستالين قتل ما يزيد عن أربعين مليوناً ليتربع علي عرش روسيا ثلاثين سنة، وهتلر قتل أكثر من عشرين مليوناً لغروره وطموحه في الهيمنة على العالم. وبول بوت قتل في كمبوديا أكثر من ثمانية ملايين كمبودي ثمناً لرئاسة وزراء كمبوديا عام 1976م.
وفي عالمنا المعاصر قتل صدام حسين الآلاف في العراق، وقتل جمال عبد الناصر من جيشه قرابة أربعين ألف جندي في حرب اليمن، التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل إلا إرضاءً لغروره، وحافظ الأسد قتل من شعبه في مجازر حماة وغيرها الآلاف ثم أكمل الابن بشار الإجهاز على من تبقى من الشعب السوري ليتمكن من بقائه رئيساً حتى ولو على أطلال سورية بلا شعب. وكذلك فعل علي عبد الله صالح في اليمن السعيد الذي حوله إلى أطلال وخرابات وأوبئة ومجاعات, ثم السيسي في مصر، الذي باع جزرها، وفرط في مياه نيلها، وتنازل عن غازها المكتشف في البحر المتوسط، وشغل جيشه في غير ما للجيوش وُجدت، وتحالف مع الكيان الصهيوني؛ العدو التاريخي، وسالمه وتعاهد بحمايته، ومن أجله هدم بيوت شعبه وهجر مواطنيه قسرياً، ودمر مدنهم وقراهم.
يقول الفيلسوف السياسي هارولد لاسكي في كتابه “تأملات في ثورات العصر”:” وعندما يتسلط الخوف على حكام مجتمع ما، يبدو أن العقل نفسه أصبح عدوهم. وأولئك الذين يحكمون بأن سياستهم مخطئة يصبحون فوراً أعداءً لهم. بل حتى عدم الهتاف بسياستهم يؤدي إلى الاشتباه في سوء النية. وكلما كان الخوف أعمق زاد ما يتولد عنه من وحشية، فيندفع الحكام تحت تأثير منطق مجنون إلى القيام بأعمال تزداد قسوة لكي يكتبوا ذكريات أخطائهم الأولى. وهم لا يستطيعون التمهل ليفكروا، لأنهم لو فعلوا ذلك فكأنهم يشكون فيما يعتقدون. وتعمى أبصارهم عما في طريقهم من صعاب، وتصم آذنهم عن أي رسول يحمل أخباراً سيئة, بحيث يصبحون فريسة لأمراض نفسية تساعدهم على بناء عالم أشباح لا تعرف الحقيقة سبيلها إليه, ويبدو لهم, وهم في سجونهم يعاقرون أفكارهم، أنه ليس هناك شيء ممكن سوى الانتصار الكامل أو الهزيمة الماحقة، فهم بعدما طرحوا العقل جانباً فقدوا دليلهم إلى الطريق الوسط، لأنهم يدركون أن أسوأ ما في الأمر قد يقع، ومن ثم يتخذون احتياطهم ضده، وتصبح السياسة مؤامرة بشعة لا يأمن فيها على نفسه إلا من يضرب أولاً، وعندئذ تخضع الحياة لوساطة المخبرين والبوليس السري، ويصير هؤلاء في نهاية الأمر هم الذين يحددون اتجاهات السياسة “.
لذلك فإن بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا.. يقول أحد السياسيين: إني أرى قصر المستبد في كل زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يقدمون قرابين الخوف”. كما جاء في طبائع الاستبداد للكواكبي.
يقول هارولد لاسكي:” والتصرف الذي يتم بدافع من نزعة الخوف لا يعرف بين الخطأ والصواب؛ ففي ظل النظام الذي يسوده الخوف تصبح المبادئ عديمة الجدوى، حيث أن النجاح هو معيار الخير الوحيد، وتؤدي الحاجة إلى أن يُخفى المرءُ ما يدور في خلده خشية العقاب إذا صرح به، إلى جعل المهارة في النفاق بضاعة رائجة, ويتولى المتعصبون والبلطجية زمام الأمور ويستعملون المنافقين والوصوليين أدوات لهم, والخوف يهيئ الفرصة لجعل الارهاب أداة دائمة في السياسة، ولما كان لابد للإرهاب من أن يولّد الحقد، كما اكتشف كل من روبسبير وستالين، فإن تغييره يصبح أكثر صعوبة من الوقف, والحكومة التي تقوم على الخوف تدفع دفعاً نحو الطغيان”.
وكما أن الطيور على أشكالها تقع، فكذلك العقلاء وأصحاب الفكر والعلم يميلون لجنسهم، والسفهاء وقليلي الرأي والعلم يميلون أيضاً لجنسهم، فيولونهم ويُقدمونهم، حتى تطفو على السطح قبيح فعالهم وسوء أثرهم! وأتذكر ذاك الرجل الذي قام في قلب منظمة اليونسكو العريقة يهتف ضد مرشح قطر على رئاسة المنظمة في دورتها الأخيرة بشكل فاقد للدبلوماسية والمهنية واحترام الاختلاف والتعامل بين الدول، وكأنه يصرخ في سوق شعبي. وهذا الذي ادعى علاج أشد الأمراض المستعصية بالكفتة، وأخذ يتباهى في مؤتمر إعلامي رسمي مما أفقد المؤسسة العسكرية التي يرتدي ملابسها هيبتها، وكذلك الدولة التي ينطق في حضور قادتها، حتى وصل الأمر أن رأينا قادة وضباطًا في الجيش يُعرفون أنفسهم بقادة خط الجمبري، والأسماك, في مهزلة معروفة، وتركوا خطوط الدفاع والحدود!
وليس لي ولك صديقي القارئ إلا الله نسأله بألا يُؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يولي علينا خيارنا، ولا يولي علينا سفاءنا وشرارنا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات