لا ادري كيف تضحي دولة بمصداقيتها بهذا الشكل المفضوح! ليست مرةً ولكنها مرات، فإذا تكررت الواقعة مرة في كل محافظة لم يبق لها ورقة توت تستر بها خيبتها. فبعد الهجوم على “كمين المطافئ” في سيناء, وقتل من فيه, وأخذ الأسلحة والتقاط الصور للمهاجمين داخله! .. بعد يومين, ترد الداخلية بأنها تعرفت على المهاجمين ورصدت مكان تواجدهم وهاجمته وقتلت جميع من فيه! ليسأل المواطن من العريش نفسه, وهو من يعلم أن هؤلاء الشهداء الذين قتلتهم الداخلية كانوا محتجزين لديها: كيف حدث هذ؟ ويفاجأ المواطن الذي يسكن المدينة ويعرف طرقها أن المكان الذي تم فيه قتل الشباب لا يبعد عن موقع الكمين سوى كيلو متر واحد! وأهل هذه المنطقة كانوا في الشارع أثناء وبعد الهجوم، ورأوا أن المهاجمين ذهبوا بعيدا، ولا يعقل أن يأتوا بالأسلحة التي كانت معهم وبالأسلحة التي سلبوها من الكمين إلى شقة في وسط الحي!
ثم أين ذهبت الأسلحة الثقيلة التي كانت بحوزتهم؟ وإذا كانت هذه الأسلحة بحوزتهم فلماذا لم تغنِ عنهم شيئا ولم يستطيعوا بها حماية أنفسهم أو أن يقتلوا جنديا واحدا من القوة المهاجمة, رغم أن خسائر الهجوم تكون أكثر من خسائر الدفاع؟ كيف تحول الأسود إلى فئران والفئران إلى أسود في سواد الليل؟! وهل الأسلحة التي كانت معهم هي ذاتها التي كانت معهم أثناء الهجوم على الكمين؟ وهل كانت كافية لقتل جنود الكمين بكل من فيه وسلب أسلحتهم, أم أانهم ذهبوا للصحراء وخزنوا أسلحتهم ورجعوا؟ كيف وقد تحولت المدينة إلى ثكنة عسكرية, وسادتها أجواء المداهمات والتربص؟ كيف مروا بهذه الأسلحة الآلية التي أظهرتها الصور؟! ثم من الذي خطف المدرعة وأين ذهب؟ وكيف يتم خطف مدرعة بها ثلاثة من رجال الشرطة؟ ولماذا أعلنت الداخلية عن خطف المدرعة ولم تعلن عن خطف رجالها الثلاثة؟! ثم لماذا لم يقاوموا؟!
ثم وثم .. لتجد أن كل رواية قد تحتمل منطقا يقبله العقل إلا رواية الدولة المنحطة التي ترى أن المدرعة أهم من البشر الذين هم فيها, فتعلن عن عودة المدرعة ولا خبر عن فقدان رجال الشرطة الثلاثة! ، لتفقد أدنى درجات المصداقية، وتصبح, وأصغر طفل في مدينة العريش يعلم أنها كاذبة وملفِقة، وأنها قتلت في لحظة هزيمة وضعف، محبوسين لديها، القانون يحكم أنها مسئولة عن حياتهم ومؤتمنة عليها، فإذا كانت الحالة لا مجال فيها لمنطق ومن يستعمل عقله يصل إلى حقيقة كذب الدولة التي قبل أن تستبيح العقل والمنطق استباحت الضمير والقانون، فماذا تطلب من المواطن البسيط وكيف تتوقع ردة فعله، ومتى وكيف تستعيد هذه الدولة عقلها الذي ذهب؟
وتظل دماء الشهداء وصورهم أيقونةً لغيظ يضطرم في نفوس الخلق، وحنق يتأجج على هؤلاء القتلة. سيناء حالة من استباحة الإنسانية واستباحة كل شئ دونها، تعاني جور الحاكم وخذلان الصديق وتظل وحدها تعاني.
عضو مجلس الشورى عن شمال سيناء – مصر
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات