كشف حراك الريف المغربي المتواصل منذ مصرع بائع السمك محسن فكري, قبل ثمانية شهور، أن الأحزاب السياسية المغربية في مجملها فشلت في تأطير المواطنين، مع غياب أداء دور الوساطة بين الدولة والمواطنين، وتضارب مواقف الأحزاب حيال ما يجري في بلدة الحسيمة من مسيرات احتجاجية، طلباً لتحسين ظروف عيش السكان ورفع العسكرة عن المنطقة.
فقد خرجت أحزاب الأغلبية في بداية الاحتجاجات ببيان تتهم فيه بعض نشطاء الحراك بأنهم يريدون الانفصال ويتلقون دعماً من الخارج، مما زاد من حدة الإحتجاجات وتصعيد وتيرة الاحتقان.
وحاولت أحزاب المعارضة أن تمسك بالعصا من الوسط، من خلال التأكيد على شرعية مطالب المحتجين، وضرورة الحفاظ على استقرار المغرب.
والبرغم من أن الدستور المغربي، ينص على أن دور الأحزاب السياسية يتمثل في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين يرى مراقبون أن العديد من الأحزاب السياسية في المغرب تعتبر السياسة وتنظر إليها كوسيلة لتدبير العلاقات مع الدولة وإهمال تدبير العلاقات مع الشارع.
وتحاول معظم المؤسسات والهيئات المجتمعية الوسيطة، من خلال الندوات والمناظرات والبيانات، استرداد أنفاسها بعد أن بدد الحراك مصداقيتها وكشف مدى الوهن في بنيتها والخفوت في حضورها، لكنها محاولات يائسة، لأنها ومن أوصلها لهذه الحالة، ما زالوا على قناعة أنهم الحقيقة، بينما الآخرون، بمن فيهم الحراك، على خطأ.
أخطاء حزبية استراتيجية
ويقول جمال بن دحمان الأستاذ المتخصص في تحليل الخطاب بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء: لم تكن الأحزاب السياسية في مستوى أدوارها في التأطير والمواكبة والوساطة، وارتكبت أخطاء استراتيجية في تدبيرها لمجريات الأحداث، ويمكن تصنيف المواقف إلى ثلاثة:
الموقف الأول: مثله التدبير الكارثي للأحزاب المشكلة للحكومة من خلال مواقفها المتذبذبة والمتناقضة والمرتبكة.
الموقف الثاني: مثلته الأحزاب التي اعتبرت الأحداث فرصة لتقوية شروط المطالَب الراغبة في ترسيخ العدالة الاجتماعية والبناء الديمقراطي الحقيقي وهي بذلك تركب على الحركية المطلبية دون تمكينها من أجوبة تتجاوز بها لحظة الاحتقان.
الموقف الثالث: مثلته أحزاب بقيت خارج التغطية وكأن الأمر يتعلق بأحداث في بلد أخر.
وأضاف قائلا: لقد كشفت أحداث الريف، هشاشة المشهد الحزبي وحاجته لجرعات إصلاح قوية وتفعيل الديمقراطية الداخلية والتخلص من أي وصاية والعمل على امتلاك نجاعة الاقتراح, والمبادرة, والجرأة على طرح المواقف من دون حسابات ضيقة علما أننا بذلك نطمح إلى وجود أحزاب قوية لأن الأحزاب أساس الديمقراطية، وبدونها يصبح كل حديث عن المؤسسات من باب المجاز.
ويرى نبيل الأندلوسي، المستشار البرلماني لحزب العدالة والتنمية عن جهة طنجة تطوان، أن من الخطورة بمكان أن يصل المواطن إلى قناعة مفادها أن الثقة لم تعد في الدولة وفي النخب الحزبية، وإذا فقد هذه الثقة يصعب أن نقنعه بوجود وسطاء أو مؤسسات، ممكن أن تترافع على مطالبه الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية.
وهو يرجع أسباب غياب الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني في تأطير حراك الريف، إلى الدولة من خلال المس بالعملية الانتخابية الذي ينتج عنه بروز هيئات انتخابية صورية ليس لها أي امتداد شعبي.
«الدكاكين السياسية» هي صفة أصبحت لصيقة بالأحزاب السياسية، التي وصفها نشطاء الحراك الشعبي بـ«العصابة»، الشيء الذي جعل الدولة في مواجعة مباشرة مع الشارع.
واعتبر عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ العلوم السياسية، أن الأحزاب المغربية فقدت دور الوساطة النزيهة بين المواطن والدولة، وضعفت مكانتها في التأطير السياسي، بسبب الأزمات الداخلية المفتعلة، والدور الذي أدته معظم الأحزاب في الالتفاف على إرادة الناخبين.
فغياب الوساطة الحزبية عن حراك الريف، والتي من المفروض أن تقوم بحمل مطالب الشارع وإيصالها للجهات الرسمية، والتفاوض من أجل تلبيتها كان نتاجًا لغياب ممارسة ديمقراطية حقيقية، كشفت عن خلل عميق يعتري الجسم الحزبي.
وقال: في مثل هذه القضايا كان على الأحزاب أن تلعب أدواراً محورية ومفصلية، من خلال إبداء مواقف صريحة ومعلنة بعيدا عن التناقض الصارخ الذي شهدناه ونشاهده من تصريح وتصريح مضاد.
الاعتقالات مستمرة في جسد الحراك
ولاتزال السلطات المغربية مستمرة في حملة اعتقالات شملت مدن الريف, وتتواصل المحاكمات وصدور الأحكام من دون الأخذ بعين الاعتبار كل المطالب باطلاق سراح المعتقلين ووقف الملاحقات وتخفيف أجواء التوتر، وأصدرت المحكمة الابتدائية في مدينة الحسيمة، مؤخرا أحكاما جديدة ضد نشطاء الحراك بإدانة 6 معتقلين من بني بوعياش بسنة ونصف سنة سجنا نافذا لكل واحد منهم، بينهم اثنان متابعان في حالة سراح مؤقت توبعوا بتهم مختلفة تتعلق بإهانة موظفين والعصيان والتمرد والإخلال بأمن دولة، والتجمهر غير المرخص له، وإضرام النار في ممتلكات الدولة، ورشق رجال الأمن بالحجارة.
ووجّه قاضي التحقيق المكلف بقضايا مكافحة الإرهاب بملحقة محكمة الاستئناف في سلا، للناشط في حراك الريف المرتضى إعمراشا التهم نفسها التي وجهت لشباب حزب العدالة والتنمية, ولحمودة الشهير بـ (مول الزفت)، من آسفي, والذي حكمت عليه المحكمة بسنة سجناً نافذاً، وهي تهم التحريض والإشادة بعمل إرهابي بالرغم من أن إعمراشا لم يذكر اسمه في حينه ضمن المتابعين بتهمة الإشادة بمقتل السفير الروسي في تركيا.
وقال المحامي محمد صادقو: التهم التي وجهها قاضي التحقيق للمرتضى إعمراشا، هي تُهم تتعلق بـالتحريض والإشادة بأعمال إرهابية، ووجهت له بناءاً على تدوينات قيل إنه نشرها سابقا بالفيسبوك بخصوص مقتل السفير الروسي في أنقرة.
وقال: «إن المرتضى التزم الصمت ورفض الإدلاء بأي تصريح كما أن معنوياته كانت عادية، وأن القاضي حدد جلسة المحاكمة يوم 10 يوليو المقبل للبت في قضيته .
وقال سعيد بنحماني من هيئة دفاع معتقلي الريف إن الوكيل العام استثنى عدداً من المعتقلين من متابعتهم بتهم إضافية، أبرزهم القائد الميداني للحراك؛ ناصر الزفزافي، وسليمة الزياني، وكشف عن أن النيابة العامة أضافت تهماً جديدة لـ 26 معتقلا تتعلق بالعصيان وزعزعة أمن الدولة.
وقال محمد زيان، عضو هئية الدفاع عن المتهمين في الحراك الريفي أن التحقيق مع مجموعة ناصر الزفزافي، المعتقلة في الدار البيضاء تم تأجيله إلى ما بعد العيد بعد أن فاجأتهم النيابة العامة بملتمسات جديدة وقال إن عدد المعتقلين على خلفية «حراك الريف» تجاوز 120 معتقلا، من دون احتساب المعتقلين في مخافر الشرطة.
اتهامات بالعصيان والتمرد
وأوضح زيان أنه يتم اعتقال ما بين 5 و6 أشخاص كل يوم، ويتم تقديم نفس العدد تقريبا أمام النيابة العامة، منذ اعتقال ناصر الزفزافي قائد الحراك قبل نحو شهر وأن أغلب المعتقلين شباب تراوح أعمارهم ما بين 18 و25 سنة، وأعرب عن أسفه لأن المحكمة لا تأخذ بعين الاعتبار سن المعتقلين عند إدانتهم بتهم ثقيلة مثل العصيان والتمرد.
وأكد أن معنويات الزفزافي ورفاقه في الدار البيضاء مرتفعة، ويعتبرون أنفسهم أبرياء لأن مطالبهم كانت دائما ذات طابع اجتماعي. وحول التماس طلب عفو ملكي، قال بأنه لا يمكنه كدفاع أن يتقدم بمثل هذا الملتمس إلا بعد انتهاء كل مراحل التقاضي، لكنه قال إن من اختصاصات الملك أن يتدخل في أي مرحلة من مراحل التقاضي ويصدر عفوًا.
لجنة تقصي حقائق الحسيمة
وكشفت لجنة تقصي الحقائق حول الأوضاع بإقليم الحسيمة المشكلة من طرف الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن ضباط الشرطة القضائية والعلمية كانوا يأخذون عينات من لعاب المعتقلين لتحديد الصبغة الجينية، «دي .ان. أ»، لأسباب مجهولة, وقال المحامي محمد طارق السباعي، عضو اللجنة في ندوة بالرباط إن الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالحسيمة نفى علمه أو إعطاءه أوامر للقيام بهذا الإجراء من طرف عناصر الضابطة القضائية وإن الوكيل العام للملك استغرب بشدة هذا الأمر, محذرا من «نية مبيتة لإلصاق جنايات أو جنح لهؤلاء المعتقلين حيث أن هذا الإجراء لم يدون بمحاضر الضابطة القضائية، وغير منصوص عليه في قانون المسطرة الجنائية، مشددا على أن الأمر يتعلق بالحماية القانونية للمعطيات الشخصية.
وكشفت اللجنة جملة من الانتهاكات رصدتها خلال زياراتها الميدانية ولقاءاتها بعدد من الضحايا وعائلاتهم وبعض الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية، وأكدت في تقريرها وقوع العديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها القوات العمومية وبعض عناصر السلطة المحلية وجماعات البلطجة بتحريض أو تغاضي من السلطات.
ومن جملة هذه الانتهاكات الاستعمال المفرط للعنف والاعتقالات التعسفية والتعذيب, وسوء المعاملة الحاطة من الكرامة, وانتهاك حرمة المؤسسات التعليمية، حيث تم استعمال مؤسسة تابعة لوزارة التربية الوطنية، لإيواء القوات العمومية، وكذا انتهاكات مست الحقوق الفئوية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات