العاصمة الإدارية بمصر.. تجمع للجيش ورجال المال

العاصمة الإدارية الجديدة .. مدينة مصرية محصنة تستهدف أن تضم تجمعًا لكبار رجال الجيش ورجال المال ونخبة المجتمع والحكومة، في مكان يصعب على المتظاهرين الوصول إليه لإحاطتها بأسوار عالية ويحرسها جنود أشداء .

هذا وغيره، جعلها تحتل مساحات جدلية بين مؤيد ومعارض على صفحات التواصل الاجتماعي دفع المراقبون للتساؤل، حول الغرض الحقيقي من العاصمة الجديدة، وهل هو تخفيف الزحام عن العاصمة الأم، أم محاولة لإنشاء مجتمع صفوة، خاصة أن السنوات الأخيرة شهدت محاولات عدة لمحتجين للوصول إلى مقرات حكومية والتأثير على صناع القرار بالاعتصام أو التظاهر أمامها.

ويعاني المصريون في حياتهم اليومية من أزمات معيشية طاحنة، أدت للتدافع فيما بينهم من أجل العيش وتوفير لقمة الحياة، وارتفاع شديد في الأسعار، منذ أن قررت حكومة سلطة الانقلاب العسكري في نوفمبر 2016، تحرير سعر صرف الجنيه ورفع أسعار الوقود، في إطار خطة اقتصادية حصلت بموجبها على قرض من صندوق النقد الدولي.

المشروعات التي أنجزت مؤخرا فيما يسمى إعلاميا بـ«العاصمة الإدارية الجديدة»، كانت الحي السكني الأول، وكوبري محمد بن زايد الشمالي، وشبكة الطرق، وتختلف القيمة التقديرية للمشروع، بيد أن تقارير إخبارية قالت إنها قد تصل إلى 300 مليار جنيه (17 مليار دولار)، في وقت تلجأ فيه مصر إلى الاقتراض لسد عجز الموازنة واستيراد المسلزمات الأساسية.

ما تم من مشروعات في العاصمة الجديدة، تم إنجازه بعد تعطيل العديد من المشروعات القومية والخدمية في البلاد، بعد توجيه 80 % من قوة شركات المقاولات الصغيرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، بدلا من إنجاز المشاريع الحكومية الأخرى.

وقد سبق الإعلان عن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، في مارس 2015، خلال قمة اقتصادية عقدت في شرم الشيخ لجذب المستثمرين الأجانب بعد عزوفهم عن البلاد في أعقاب ثورة 2011 وانقلاب 2013.

ويهدف بناء العاصمة الإدارية الجديدة، إلى الخروج من زحام القاهرة والتلوث، لكن سكان القاهرة يتساءلون عن المنطق وراء إحلال العاصمة الإدارية الجديدة محل العاصمة الحالية المطلة على ضفاف نهر النيل، والتي يرجع تاريخها إلى ألف عام, وما يعنيه ذلك من اطرار عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين, وملايين المواطنين من الانتقال إلى مكان ما زال صحراء قاحلة, أو الاضطرار للتردد عليه لقضاء المصالح.

وقد تم تأسيس شركة «العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية» في مايو 2016، شركة مساهمة مصرية خاضعة لقانون الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 برأسمال مدفوع 6 مليارات جنيه (340 مليون دولار)، ارتفع إلى 9 مليارات جنيه (510 مليون دولار) بعد ذلك، موزعا بين القوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الإسكان.

يتكون مجلس إدارة الشركة من 13 عضوا، 5 منهم ممثلين للقوات المسلحة, و 3 يمثلون هيئة المجتمعات العمرانية، و5 من ذوي الخبرة في مجال العقارات.

 

الموقع والإدارة

وتقع العاصمة الجديدة، على حدود مدينة بدر (شمال شرق القاهرة) في المنطقة ما بين طريقي القاهرة/ السويس والقاهرة/ العين السخنة، بعد القاهرة الجديدة، ومدينة المستقبل ومدينتي، وتقع في منتصف المسافة بين القاهرة والسويس، وتبعد حوالي 60 كلم عن وسط القاهرة.

ويعتبر طريق السويس الطريق الأساسي المؤدي إلى العاصمة الجديدة، لحين الانتهاء من الطريق الأساسي وهو طريق محمد بن زايد.

ورغم بعد المسافة, تُعامل العاصمة الإدارية الجديدة على أنها امتداد جغرافي وعمراني للعاصمة الحالية، وتابعة لها عمرانيا، وذلك بغرض التحايل على الدستور الذي ينص على أن مقر الحكومة في القاهرة.

تبلغ مساحة العاصمة الإدارية الجديدة، 170 فدانا تقريبا، أي ما يعادل مساحة مدينة سنغافورة، وتتكون من تجمع «محمد بن زايد» الشمالي، ومركز للمؤتمرات، ومدينة للمعارض، وحي حكومي، وحي سكني، ومدينة طبية، ومدينة رياضية، وحديقة مركزية، بالإضافة إلى المدينة الذكية.

ويتكون الحي الحكومي من 18 مبنى وزاريا، ومبنى للرئاسة وآخر للبرلمان وثالث لمجلس الوزراء، ومن المقرر نقل الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة، إضافة إلى بناء مقر للبرلمان ومقر لرئاسة الجمهورية نهاية عام 2018.

وتشارك أكبر شركات مقاولات المصنفه فئة «أ» بالاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، في تنفيذ المخطط الذي وضعه تحالف «+5»، وهو المخطط الذي تم اعتماده من مجلس الوزراء في مارس 2016، وبدأت أعمال تنفيذه في أبريل من نفس العام.

وطبقا لما هو مخطط، سيتم ربط العاصمة الجديدة بخط سكة حديد جديد مع شبكات سكك الحديد في مصر، والمتوقع تشغيله بعد عامين، بتكلفة  40 مليار جنيه (2.3 مليارات دولار)، كما سيتم إنشاء مطار دولي على مساحة 16 كلم.

 

خلافات التمويل

ولجأت الحكومة المصرية، إلى تحمل نصيب الأسد من تكاليف إنشاء المدينة الجديدة، والاكتفاء بتوقيع اتفاقيات ثنائية لتنفيذ مشروعات محدودة داخلها، عقب انسحاب شركتين إماراتية وصينية من تحالف البناء الرئيسي للمدينة.

ورصدت هيئة المجتمعات العمرانية 9 مليارات جنيه حتى شهر يونيو الماضي؛ لتنفيذ الوحدات السكنية وأعمال المرافق في المرحلة الأولى من المشروع.

يشار إلى أن محمد بن راشد آل نائب رئيس الإمارات رئيس الوزراء حاكم دبي, شهد مع عبدالفتاح السيسي، في مارس 2015، عقد توقيع إنشاء العاصمة الإدارية بتكلفة تتجاوز 150 مليار جنيه (8.5 مليار دولار)، قبل أن يتم إسناد المشروع لشركة «إعمار» سرا.

بيد أن الاتفاق المبدئي بين الحكومة و«إعمار» لم يدم طويلا، وفي يناير 2016، علق رجل الأعمال الإماراتي «محمد العبار»، الرئيس التنفيذي لشركة «إعمار»، على المشروع، قائلا: «الاتفاق الذي تم مبدئي.. والحكومة المصرية غيرت رأيها في بعض البنود ويحق لها لأن الاتفاق غير ملزم، وبالتالي لم نتفق على وجهة نظر واحدة، ولذلك انسحبنا من المشروع», مضيفا: «لم نصل لاتفاق يرضي الطرفين».

ووفقا لتقارير إخبارية محلية، سادت خلافات بين الحكومة و«العبار»، بشأن مصادر التمويل، حيث عرض الأخير على الحكومة توفير مصادر تمويل محلية، وهو ما رفضته الحكومة والبنوك معا.

عقب ذلك، دخلت شركة «سي إس سي إي سي» الصينية كشريك لبناء المنشآت الحكومية، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي،

وقال السيسي، وهو يفتتح المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية، منتقدا اتهامات المعارضة بتجاهل أولويات أخرى في بلد يئن من أوضاع اقتصادية متدهورة: «أؤكد مرة ثانية: مصر محدش هيقدر يأخذها مننا»، دون توضيح المقصود بذلك, واستعرض قدراته الخارقة المعتادة: «أنا أعرف جيداً كيف أنهي المشاكل وتوفير التدابير المالية».

وتحدث «السيسي» عن استغلال مياه الصرف الصحي في إنشاء وري المساحات الخضراء بالمدن الجديدة، مشيراً إلى حرص الدولة على الاستفادة من مياه الصرف قائلاً: «لدينا برنامج ضخم للاستفادة من مياه الصرف لنصل إلى مليارات الأمتار من المياه لمعالجتها واستخدامها».

 

«الماسة كابيتال»

وأحد أبرز المعالم في العاصمة الإدارية الجديدة، التي تم الانتهاء منها، هو فندق «الماسة كابيتال»، التابع للقوات المسلحة, والذي تم افتتاحه مع احتفالات ذكرى نصر أكتوبر، وهو الافتتاح الذي أثار ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مظاهر الترف والبذخ الذي صاحبه.

ويعد «الماسة كابيتال»، أول مجمع عمراني يتم إنجازه, ولا يوجد رقم معلن حول تكلفة إنشاء الفندق، بيد أن صحيفة «البورصة»، ذكرت في أكتوبر 2016، نقلا عن مصادر حكومية، لم تسمها، أن تكلفة الفندق بين 700-900 مليون جنيه (51 مليون دولار).

وتعد هذه التكلفة تقديرية، قبل اكتمال الفندق، وقبل قرار تعويم الجنيه، الذي هوى بالعملة المحلية إلى نصف قيمتها.

الفندق أنشئ على مساحة أكتر من 10 أفدنة في قرابة 31 شهرا، ليكون امتدادا لفندق «الماسة» التابع للجيش، والموجود في مدينة نصر وتم إنشاؤه في 2006.

ويتضمن الفندق مركزا تجاريا، وقاعة مؤتمرات، ومن المتوقع أن يستقبل رجال الأعمال والمستثمرين، الذين سيقومون بتنفيذ مشروعات داخل العاصمة الإدارية.

تحصين المدينة

لكن أغرب ما في المدينة، هو تشييد سور خرساني كثيف التسليح، بارتفاع يصل إلى 7 أمتار حولها، في تشابه مع الأسوار حول المستوطنات الإسرائيلية، في محاولة لفصلها عن العالم الخارجي.

المغردون الذين تداولوا صورا لهذا السور، قالوا إن الغرض منه حماية رموز الحكم والنخبة المترفة والأجانب خلف الجدران، وعزلهم عن باقي الشعب.

المغردون قالوا أيضا إن عزل العاصمة الجديدة في منطقة صحراوية صعب الوصول إليها، وضم طبقة دخيلة لا تنتمي لنسيج المجتمع المصري، والانتقاء السكاني يفضح عملية العزل العنصري التي تجرى.

ودلل المراقبون على ما يقولون بأن الطرح الأولي للفيلات بالعاصمة تتراوح فيه الأسعار بين 3 ملايين جنيه (170 ألف دولار) و9 ملايين جنيه (510 ألف دولار)، وأقل شقة لا يقل سعرها عن المليون جنيه (57 ألف دولار).

كما أن حملة الدعاية تركز على نوع خاص من المصريين، فهي مدينة مراقبة بأحدث وسائل المراقبة والكاميرات، تستقطب النخبة المترفة.

وحذر خبراء اقتصاديون من أن مصر وصلت حد الخطر في الاقتراض الخارجي، وأكدوا أن ارتفاع الديون  بشكل قياسي يمثل عبئا على موارد الدولة من العملة الصعبة، كما يؤثر على معيشة المواطنين.

وارتفعت ديون مصر الخارجية إلى مستويات غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، إذ أعلن البنك المركزي المصري في تقرير الاستقرار المالي بلوغها 79 مليار دولار نهاية يونيو الماضي، مقابل 55.8 مليارات قبل سنة من ذلك، بزيادة تعادل 41.57%.

وكانت وزارة المالية أعلنت أن إجمالي دين الموازنة العامة للدولة (المحلي والخارجي) ارتفع إلى نحو 3.7 تريليونات جنيه (208.3 مليارات دولار) نهاية مارس الماضي، وهو ما يعادل 107.9% من الناتج المحلي للبلاد.

ومن المتوقع أن تتجاوز قيمة عجز الموازنة العامة للدولة نهاية العام المالي الجاري نحو 322 مليار جنيه.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …