استقبلت كندا منذ عام 2015 حوالى 45 ألف لاجئ سوري بينهم 16450 شخصاً بكفالة الحكومة و11360 بكفالة مؤسسات القطاع الخاص الخيرية أو الإنسانية أو الدينية، فيما البقية، عائلات وأفراداً، ظلت خارج تلك الكفالتين.
وتعهّدت الحكومة بمساعدة اللاجئين جميعهم وتوفير ما يلزم لاندماجهم في مجتمعهم الجديد. إلا أنها -وبعد عامين- أعلنت عن فشلها في قياس مدى الاندماج والإفادة المتوخاة من البرامج الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية المُعدة لهذه الغاية.
والذريعة أنها «لم تجمع ما يكفي من المعطيات والمعلومات من المقاطعات الكندية للقيام بهذه المهمة».
ويشير تقرير صدر أخيراً عن المدقق العام مايكل فورغسن المعني بقياس مدى اندماج المهاجرين السوريين، إلى أنّ مردّ هذا النقص في المعطيات عقبات إدارية وتأخّر وصول لوائح الخدمات، وبقاء حوالى 40 في المئة من اللاجئين السوريين خارج برنامج تعلّم اللغتين الفرنسية أو الإنجليزية. وقد انعكس هذا النقص سلباً على استراتيجيّة التخطيط الحكوميّة، وعلى استيعاب اللاجئين وإتمام عملية الاندماج التي خُصص لها نحو 678 مليون دولار كندي. ويستأثر بالحصة الأكبر منها، كما يقول وزير المال جون مالكوم، توفير «أمكنة السكن وتأمين دروس اللغة وخدمات البحث عن فرص العمل» لافتاً إلى أن «ما يقلق الحكومة نسبة كبيرة من النساء يتخلّفن عن حضور دروس اللغة لعدم تمكنهن من وضع أطفالهن في دور الحضانة».
يفيد تقرير لهيئة الإغاثة الكندية، أن الحكومة أساءت تقدير حاجات اللاجئين السوريين، سيما وأن حوالى 60 في المئة منهم من منابت فقيرة، وأقل من واحد في المئة يتحدّث الإنكليزية، ومؤهلاتهم المهنية محدودة جداً لا تتعدى شغل وظيفة سائق سيارة أو عامل بناء أو طبّاخ أو مزارع.
كما يؤكّد التقرير أن الحرب تسببت بلجوء آلاف الأسر الكبيرة (من 5 إلى 8 أفراد) وتخلّف آلاف الأطفال عن متابعة الدراسة، إلى مجموعة كبيرة من الشباب في حاجة إلى تدريب مهني وإعادة تأهيل لغوي وفهم طبيعة أنظمة العمل وآليات التعامل مع مختلف قطاعات الإنتاج.
وعلى رغم هذه الصعوبات «لا تزال كندا تؤكّد أنها قادرة على تلبية حاجات اللاجئين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع والعمل»، على حدّ تعبير ليدا أغاسي المديرة التنفيذية لمركز المساعدة الاجتماعية للمهاجرين. على رغم الاستقرار النسبي لشريحة كبيرة من اللاجئين السوريين في مختلف أنحاء كندا، لا تزال المبادرات الحكومية تسعى على تنوّع خدماتها في مختلف الأصعدة، إلى تخفيف وطأة التحدّيات وشدة المعاناة الناجمة عن مضاعفات الحرب وتأثيرها على حياتهم، بغية التأقلم مع الواقع الجديد.
في هذا الصدد، يشير تقرير «المفوضيّة العليا للاجئين في كندا» إلى أن «مأساة اللاجئين السوريّين هي أكبر كارثة إنسانيّة منذ الحرب العالميّة الثانية».
ويشدد على أن ظروف الحرب التي عاشها السوريون «خلّفت تداعيات خطيرة في نفوسهم وعقولهم وتصرّفاتهم اليومية. وقد تستغرق معالجتها وقتاً طويلاً».
وتلفت غيداء حسن، المشاركة في التقرير أستاذة علم النفس في جامعة كيبيك في مونتريال «أوكام» والباحثة في مركز مونتريال الجامعي للصحّة العقليّة والجسديّة، إلى أن هؤلاء يواجهون منذ وصولهم إلى كندا مجموعة كبيرة من التحديات والفروقات الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية.
ويظهر التقرير صورة عامة عن آثار الحرب النفسية على اللاجئين السوريين خصوصاً الأطفال والمراهقين والنساء والفئات الفقيرة، الذين يعانون من مشاعر الخوف والعزلة والتوتر الدائم، وعوارض ما بعد الصدمة الناجمة من نوبات العنف والتعذيب والترهيب والاعتداءات الجنسية. ويحض المعنيين بالمعالجات النفسية على أن يراعوا المشاعر الدينية، ويحترموا التقاليد السورية المحافظة، ويحرصوا على تبادل الثقة بين الطرفين، وبث روح التفاؤل في أوساط اللاجئين وتشجيعهم على حب الحياة واسترجاع نمطها الطبيعي. كما يطلب من المترجمين، الذين يشّكلون صلة الوصل بين المعنيين بالمعالجات النفسية واللاجئين، المحافظة على السرية المهنية والالتزام بها.
كذلك يشدد التقرير على ضرورة اهتمام المسؤولين الكنديين بتكثيف برامج التأقلم المعنية بتعلّم الصغار والكبار الفرنسية أو الإنجليزية، والاعتراف بتجارب السوريين المهنية وشهاداتهم العلمية، ما من شأنه أن يفتح آفاقاً أوسع لفرص العمل، ويزيل التوترات العصبية والنفسية، ويُخرج اللاجئين من دوائر الخوف والقلق والعزلة، ويساهم بتسريع عملية الاندماج في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية الكندية.
وعلى رغم موجة التفاؤل التي تسود أوساط اللاجئين السوريين، لمّح التقرير إلى أن شريحة منهم أدركت أخيراً، أنها عصية على الاندماج بعدما ضاق بها العيش والبقاء «في آخر الدنيا». هكذا، على هامش الحياة بلا أمل وبلا كفالة من أحد أو من أي جهة رسمية أو أهلية، فعاد بعضهم إلى رحاب الوطن الجريح، وبعض آخر يشد الرحال وفي صدره غصة، وآخرون ينتظرون دورهم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات