في حين اعتبر رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب علاء عابد، اليوم، أن مصر حققت «إنجازًا» باعتماد تقريرها حول الاستعراض الدوري الشامل لأوضاع حقوق الإنسان، من قِبل مجلس حقوق الإنسان الأممي بجنيف الخميس الماضي، يقول محمد زارع، رئيس فرع مصر بمركز القاهرة لحقوق الإنسان، لـ «مدى مصر» إن التوصيات التي قبَلتها مصر لا تساهم في تحسن حالة حقوق الإنسان وإنما «تكفل استمرار الانتهاكات»، وبقاء الوضع القائم كما هو.
واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التقرير المقدم من الحكومة المصرية للرد على توصيات وانتقادات الاستعراض الدوري الشامل، وذلك بقبَول القاهرة 270 توصية بشكل كلي، و31 أخرى بشكل جزئي، في مقابل رفضها تنفيذ 30 توصية لاعتبارها مخالفة للدستور و15 أخرى وصفتها القاهرة بـ «الخاطئة»، وأخريين رفضتهما لأنهما «عدائيين، وليس لهما علاقة بعمل المجلس»، كما قالت إن هناك 24 توصية من إجمالي التوصيات منفذة بالفعل.
وفي 14 نوفمبر الماضي، وُجهت لمصر -خلال الاستعراض الدوري الشامل-372 انتقادًا وتوصية من 133 دولة من إجمالي 193 دولة عضوة بالمجلس، تركزت غالبيتها في انتقاد أوضاع السجون والانتهاكات التي يتعرّض لها المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، فضلًا عن التمييز السلبي ضد المرأة.
ويقول زارع لـ«مدى مصر» إن رد الحكومة المصرية على «توصيات المراجعة الدورية» يغلب عليه تكتيك استخدام الألفاظ الفضفاضة والعموميات، على شاكلة الاستشهاد بإنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تنفيذًا للحق الدستوري الخاص بحرية الرأي والتعبير، مشيرًا إلى أن الحكومة عادة ما تقبَل التوصيات العامة التي لا يتبعها التعهد بالتزام محدد.
ويضرب زارع مثالًا بالتوصية الخاصة بـ«وضع حد للتعذيب والحط من الكرامة والتوقيع على البروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب»، مشيرًا إلى أنها تعهدت في تقريرها بوضع حد للتعذيب، مع رفضها الجزء الخاص بالتوقيع على البروتوكول، وهو ما يُعرف بالقبول الجزئي للتوصية.
وبشأن واحدة من التوصيات المرفوضة، والتي وُصفت بكونها «عدائية»، يقول زارع إن إحداهما توصية من تركيا بفتح تحقيق في ملابسات وفاة الرئيس الأسبق محمد مرسي، مبررة بأن تركيا تتدخل في شأنها الداخلي. فيما يوضح أنه بالرغم من الدعم الذي تلقاه السلطة المصرية الحالية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وآخرين ما يجنبها عقوبات وانتقادات دولية لاذعة جراء انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك بالمقارنة بفترة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلا أن ذلك لم يمنع المجلس في النهاية من الإقرار بتراجع حالة حقوق الإنسان في مصر عما كانت عليه في 2014.
وهو ما ترجمته التوصيات التي زادت أكثر من 70 توصية خلال جلسة الاستعراض الدوري الأخيرة عما كانت عليه في جلسة 2014، بحسب زارع الذي يوضح أن زيادة التوصيات يعني تدهور حالة حقوق الإنسان، وقبول مصر توصيات دون أخرى يعني استمرارها في التعامل مع المجلس الأممي بمنطق تأدية الواجب.
وأبدى المجلس القومي لحقوق الإنسان قلقه، السبت الماضي، من إحالة بعض المدنيين إلى المحاكم العسكرية بدلًا من المثول أمام قاضيهم الطبيعى، وذكر في تقريره السنوي لعام 2020 أنه رصد تضييق المجال العام من خلال تدابير وإجراءات ذات طبيعة تقييدية أوجدت إحساسًا عامًا بتراجع هامش الحريات على نحو كبير، وذلك خلال الفترة من مايو 2018 حتى يوليو 2019 وفقًا للتقرير.
ماذا جري في جلسة محاكمة نظام السيسي في جنيف؟
وتعرضت سلطة لانقلاب لإحراج جديد وفشل في الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وحتى الدستور الذي وضعه الانقلابيين، فيما يخص مجال حقوق الإنسان.
وتلقي وفد سلطة الانقلاب انتقادات واسعة خلال الحوار التفاعلي بالأمم المتحدة مساء الخميس 12 مارس الجاري 2020، في الجلسة المخصصة لاعتماد تقرير الاستعراض الدوري الشامل للملف الحقوقي المصري ضمن فعاليات الدورة الـ 43 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف.
وكان وفد الانقلاب برئاسة مندوب مصر في الامم المتحدة وبرلمانيون ضباط سابقين، مطالب بالرد على 372 توصيه وملاحظة لـ 112 دولة مقدمة من شهر نوفمبر الماضي 2019 في هذه الجلسة التي شاركت فيها 10 منظمات حقوقية تتحدث فيها عن سجناء الرأي والظلم باستخدام الحبس الاحتياطي والاعتقالات ومخاطر انتشار فيروس كورونا بينهم.
وكعادته زعم مندوب مصر في جنيف أمام مجلس حقوق الإنسان ان الحكومة تقوم “بتوفر حماية للمدافعين عن حقوق الانسان من الجرائم التي تقع عليهم من اخرين” وزعم احترام سلطة الانقلاب لحقوق المصريين وحقهم في التعبير رغم تكميم السيسي الأفواه.
ولذلك استنكر مركز القاهرة لحقوق الانسان – في بيان -نهج سلطة الانقلاب المضلل خلال المراجعة الدورية الشاملة لملفها الحقوقي أمام الأمم المتحدة.
وقدم مركز القاهرة ثلاث مداخلات شفهية مشتركة في الجلسة المخصصة لاعتماد تقرير الاستعراض الدوري الشامل للملف الحقوقي المصري بـجنيف أمام المجلس تسلط الضوء على تدهور حالة حقوق الإنسان في البلاد هي:
- توظيف التشريع المصري لمكافحة الإرهاب بشكل منهجي لإضفاء الشرعية على الحملة المستمرة لإسكات واستئصال المجتمع المدني المستقل ومواجهة الصحفيين والأحزاب السياسية، وتبرير حملة واسعة لإسكات كل أصوات المعارضة السلمية، فضلا عن استخدامه كذريعة للتقاعس عن تحسين ظروف الاحتجاز المتردية والقاتلة في مصر.
- نهج الحكومة المصرية المضلل خلال عملية المراجعة على نحو يهدف تزييف الوقائع وتضليل المجلس بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر. فعلى سبيل المثال ادعت الحكومة المصرية أن التوصيات بشأن أعمال التخويف أو الانتقام ضد المتعاونين مع الأمم المتحدة وآلياتها “غير صحيحة من الناحية الواقعية” بينما وصف تقرير للأمين العام للأمم المتحدة مصر بأنها دولة تمارس “نمطًا من الأعمال الانتقامية” ضد أولئك المتعاونين مع آليات الأمم المتحدة.
- أن 37 مدافعًا عن حقوق الإنسان على الأقل ممنوعين من السفر بسبب عملهم الحقوقي، الأمر الذي حال دون مشاركتهم بشكل عملي في عملية الاستعراض الدوري الشامل، على نحو يقلل من سلامة ومصداقية العملية رغم ادعاءات الحكومة بأن “أي شكل غير مبرر قانونًا من أشكال الحرمان من الحرية يعد محظورا في جميع الظروف” في الوقت الذي اعتقلت فيه المئات من منتقدي الحكومة السلميين بشكل غير مبرر قانونًا، وهو ما طال، فقط منذ نوفمبر 2019، الصحفيين والبرلمانيين السابقين والمحامين والأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان والديمقراطية.
ردود مضحكة
وردا على توصية تركيا التي تطالب بتحقيق فوري ونزيه وشامل وشفاف لتوضيح سبب وفاة الرئيس الراحل «محمد مرسي»، ردت سلطة الانقلاب بأن مصر تعتبر توصية أنقرة “توصية عدائية” دون أن يكلف نفسه عناء الرد.
وسبق أن قال فريق أممي تابع للجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة، معني بالاحتجاز التعسفي، إن الرئيس الشهيد مرسي احتُجز في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها “وحشية”، وتعرض للكثير من الانتهاكات الحقوقية، وخلص إلى أن “وفاته يمكن أن تصل إلى حد القتل التعسفي”.
ومنعت السلطات المصرية إقامة جنازة للرئيس محمد مرسي، وأجبرت أسرته على دفنه في جنح الظلام تحت حراسة أمنية مشددة، لمنع مشاركة أي من أنصاره في تشييع جثمانه.
وفي وسائل الإعلام تم تجاهل خبر وفاته، مع ذكر اسمه فقط من دون أن يسبقه أي لقب (رئيس)، وخرجت الصحف في اليوم التالي للوفاة بين متجاهلة وأخرى سبقت اسمه بالخائن في خبر صغير بالصفحات الداخلية وصفحة الحوادث!
ورفضت السلطات تسليم الجثمان لأسرته، حيث تم تغسيله في مستشفى السجن بحضور 9 من أفراد عائلته، وتم أداء صلاة الجنازة عليه داخل السجن أيضا بحضور 10 أشخاص فقط في منتصف الليل، قبل أن يتوجه الجثمان فجرًا إلى المقابر وسط حراسة أمنية مشددة لمنع مشاركة أي من أنصاره في تشييع الجثمان.
ورفضت سلطات الانقلاب طلبًا بدفنه بمقابر أسرته في قرية العدوة بمحافظة الشرقية تنفيذًا لوصية الرئيس الراحل بينما سمحت بدفن مبارك في مقبرته التي تصل الي ألف متر.
وردا على توصية هولندا بالإفراج عن جميع المعتقلين بسبب ممارستهم حقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت، وتوصية السويد بالكف عن تقييد حرية المجتمع المدني، وقرارات تجميد الأموال وحظر السفر، والاعتقال التعسفي، رد مندوب السيسي قائلا إن مصر تعتبر هذه التوصيات «خاطئة وقائعيًا بدعوي أنه «لا أحد يُسجن في مصر بسبب ممارسة الحق في حرية التعبير”!!
وردا على توصية قطر: “وقف ممارسة الاعتداءات على حرية الرأي والتعبير، واعتقال الصحفيين، ومنع الوصول إلى مواقع الإنترنت الإخبارية، ومصادر المعلومات”، ردت سلطة السيسي عبر مندوب مصر في الأمم المتحدة بالزعم أن مصر تعتبر توصية الدوحة “توصية عدائية” وتجاهل الرد على الانتهاكات نفسها.
أيضا ردا على توصية الأرجنتين وقف عمليات الإعدام للمحكوم عليهم بهذا الحكم، والنظر في إلغاء العقوبة تمامًا من تشريعاتها الوطنية، ردت حكومة السيسي بأن القاهرة «ترفض» هذه التوصية، وتعتبرها “غير مقبولة”.
ورفض الانقلاب توصية النمسا الداعية لتعديل المادة 122 من «قانون الطفل»؛ لضمان عدم محاكمة الأطفال إلى جانب الكبار وقال إن القاهرة «ترفض» هذه التوصية رغم رصد العديد من الانتهاكات ضد الاطفال، والطفولة المُهدرة على يد النظام الحالي واخرها في شهر فبراير الماضي حين ظهر 13 طفل من محافظة السويس في نيابة أمن الدولة العليا، بعد اخفائهم قسريًا لمدد متفاوتة وصلت لأكثر من شهرين، وقد تم التحقيق معهم على ذمة قضية سياسية تحمل رقم 1530 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا.
وتعرض هؤلاء الاطفال أثناء فترة اختفائهم للضرب المبرح والصعق بالكهرباء لإجبارهم على الاعتراف بالتهم المنسوبة إليهم.
وهؤلاء الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 13 و16 عامًا، وهي مرحلة عمرية مهمة في بناء شخصية الطفل، وبالتالي ستؤثر هذه الانتهاكات التي تعرضوا لها اثناء فترة إخفائهم القسري بشكل سلبي في بناء شخصياتهم، مما يعود بعد ذلك على المجتمع بشكل متردي.
ومن الواضح أن سلطة الانقلاب تنتهج سياسة الإنكار التام لوجود أي مشكلة تتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان بينما هي موغلة في القتل والتعذيب والاعتقالات والاخفاء القسري والاعدامات ويلقي نهجها صمتا وتواطؤ دولي بسبب مصالح بعض الانظمة الغربية والعربية مع قائد الانقلاب.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات