وزارة التموين أصدرت بيانا مهما، مساء يوم الأربعاء الماضى، تشرح فيه للناس لماذا قررت تخفيض وزن الرغيف المدعم من ١١٠ جرامات إلى ٩٠ جراما.
ما لفت نظرى فى التوضيح المطول قول الوزارة إنها «عقدت أكثر من اجتماع مع ممثى شعب المخابز على مستوى الجمهورية، وتم عمل أكثر من تجربة لقياس معدل إنتاج الجوال زنة ١٠٠ كيلوجرام، للوصول إلى منظومة تحقق الهدف الأساسى للدعم، وبناء على التجارب التى تمت ونتائج الرقابة، وجد أن متوسط وزن الرغيف لم يزد فى الواقع عن ٩٠ جراما، ولذلك تم تقنين المواصفات الجديدة بأن يكون الوزن ٩٠ جراما».
كنت أتمنى من الذين قاموا بكتابة هذا البيان أو الموافقة عليه أن ينتبهوا إلى المعنى الخطير فيه.
ببساطة شديدة هذا منطق خاطئ تماما ومختل ويسيئ للوزارة وللحكومة بأكملها، والأخطر أنه يفتح الباب لتطبيقات مماثلة فى المستقبل، فى مجالات مختلفة، وليس فقط فى قضية الخبز.
الرسالة التى وصلتنى من هذا الجزء فى بيان وزارة التموين أنها فشلت فى الرقابة على المخابز وإلزامها بتطبيق الوزن القانونى طوال سنوات وهو ١١٠ جرامات، وبدلا من معاقبة أصحاب المخابز بالقانون، فإنها عاقبت المستهلك المحتاج، بأنها قللت حجم ووزن الرغيف ٢٠ جراما، أى أنها خفضت الوزن ١٨٪ وبقراءة أخرى زادت فعليا من سعر الرغيف بنفس النسبة.
ما المعنى الذى يصل للمواطن العادى حينما تقول وزارة التموين: إن التجارب والرقابة أشارت إلى أن المخابز لم يلتزموا فى معظم الأوقات بالوزن القانونى؟!
المعنى الوحيد هو أن كعب أصحاب المخابز هو الأعلى والأكثر تأثيرا، والمعنى الأسوأ أن مفتشى التموين التابعين للوزارة لم يمارسوا عملهم البسيط والواضح فى مراقبة عمل المخابز، وتركوا أصحابها يسرقون حق البسطاء والمحتاجين للدعم وحق الدولة.
المعنى الذى لم يقله بيان وزارة التموين أن أصحاب المخابز كانوا يسرقون ٢٠ جراما من كل رغيف طوال السنوات الماضية، ويضعون أموال المستحقين فى بطونهم من دون وجه حق، والمعنى الأسوأ أن بعض مفتشى التموين أو غالبيتهم مكنوا هؤلاء اللصوص ومصاصى دماد الشعب من تنفيذ هذه السرقة العلنية كل يوم.
يقول بيان الوزارة: «إن معظم المخالفات التى تم رصدها تركزت فى نقص الوزن ما بين ١٠ ــ ٢٠ جراما فى الغالبية العظمى، وكان البعض ينتج بنقص وزن أكثر من ٣٠ جراما، وكانت العقوبة تصل إلى إغلاق المخبز لمدة ٣ شهور، مما كان يسبب مشاكل فى بعض القرى التى لا يوجد بها إلا مخبز واحد».
ومرة أخرى نسأل الوزارة: ولماذا سمحتم باستمرار هذه المخالفات طوال كل هذا الوقت، ولماذا لم تستمروا فى إغلاق المخابز المخالفة، وسجن أصحابها، وتحويل الرخص لآخرين يريدون أن يكسبوا بالحلال وما أكثرهم؟!.
هل معنى أنه لا يوجد إلا مخبز واحد فى بعض القرى، أن نترك صاحب هذا المخبز يسرق قوت وخبز الناس جهارا نهارا، وبرعاية الوزارة، وتحت علمها؟!
إذا كان هذا الكلام صحيحا، فمعنى ذلك أن هناك خللا كبيرا فى المنظومة الرقابية، بل فى أساس المنظومة نفسها.
لو أن الوزارة قالت فى بيانها بوضوح أننا اضطررنا إلى خفض وزن الرغيف لأننا لا نستطيع رفع سعره مباشرة، أو حتى لكى نقلل من عبء الدعم المخصص للخبز، أو لإنصاف بعض أصحاب المخابز، الذين يعملون فى إطار القانون، لو فعلت ذلك لكان الأمر أشرف وأفضل وأكثر موضوعية، ويخاطب عقول المواطنين، لكن ظنى أن البعض اجتهد فخرج عن النص، وقرر اللجوء إلى هذا التبرير الغريب بأن سرقة الوزن كانت طبيعية طوال الوقت، والنتيجة أنه وقع فى مأزق أسوأ.
والغريب أن المتحدث باسم وزارة التموين أحمد كمال قال مساء الأربعاء: «أن المواطن استفاد من نقص وزن الرغيف»!!!.
فهل هذا منطق يمكن أن تقنع به الحكومة مواطنيها؟!!!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات