أزمة “كازينو لبنان” تفضح العلاقات الخفية بين السياسة والمال الحرام

لبنان غارق في بحور الديون، والنفايات، والفساد .. ديون وصلت إلى السبعين مليار دولار، ونفايات غطت الساحل والجبل, وفساد طال المرافق العامة التي غرقت بدورها في “عتمة الصفقات”، بعكس حال القوى السياسية التي لا تغرق سوى في أموال “كازينو لبنان” المكتسبة من لعب القمار.

نفايات لبنان

أموال يتم توزيعها على زعماء القوى السياسية لا تصلها يد الرقيب، ولا مطرقة الحسيب، وفي حال وصلتها تكون المحاسبة معدومة.

في عام 1959، كانت بداية “كازينو لبنان”، بعد تدشينه في احتفال ضخم ليلة رأس السنة الميلادية، لينطلق في مسار تصاعدي جعله أهم كازينوهات منطقة الشرق الأوسط, والكازينو هنا بالمعنى الدقيق يحوى صالات للعب الميسر (القمار). وكان قد صدر في عام 1954 مرسوم جمهوري قضى بحصر ألعاب الميسر (القمار) في “كازينو لبنان”، إلا أن الكازينو الحالي لم يُفتتح إلا في عام 1959، وقد عاش قبل اندلاع الحرب في عام 1975 مرحلة ازدهار؛ كونه كازينو القمار الوحيد في المنطقة، لكنه تأثر بالفوضى التي سادت بعد الاجتياح الاسرائيلي في عام 1982 وانهيار مؤسسات الدولة.

وتملك شركة «إنترا» 52% من أسهم الكازينو (يمتلك مصرف لبنان 33% من أسهم إنترا)، وتملك شركة أبيلا 17%، ومجموعة بنك عودة 7%، ومؤسسة ضمان الودائع ولجنة تصفية بنك المشرق 6%. فيما تتوزّع بقية الأسهم موزعة على مساهمين أفراد.

ويدير “شركة كازينو لبنان” مجلس ادارة مؤلف من 9 أعضاء ورئيس موزعين على القوى السياسية الطائفية الحاكمة:

رئيس مجلس الادارة وعضو مجلس إدارة – مارونيان – يمثلان رئيس الجمهورية

عضوان بمجلس إدارة – شيعيان – حركة أمل

عضو سني – يمثل حصة شركة ابيلا

عضو درزي – الحزب الاشتراكي

عضوان سنيان – تيار المستقبل

عضو أرثوذكسي – حصة مصرف لبنان

عضو كاثوليكي – التيار الوطني الحر

وقد ارتبطت شركة “كازينو لبنان” مع الدولة بعقد استثمار نادي القمار في منطقة المعاملتين لمدة 30 سنة من تاريخ توقيع العقد في عام 1996 على أن تعود ما نسبته 30% من مجموع الدخل السنوي للدولة خلال السنوات العشر الاولى, تزيد إلى 40% خلال السنوات العشر التالية ثم 50% خلال العشر سنوات الأخيرة، وتشرف لجنة سمّيت بـ “اللجنة العليا لمراقبة كازينو لبنان” على مراقبة الاستثمار من الناحيتين المالية والفنية.

صندوق السياسيين الأسود

تستفيد مالية لبنان من ضريبة تصاعدية على أرباح الكازينو، بحسب الاتفاقية الموقعة مع إدارة الكازينو, وتشير المعلومات غير الرسمية، إلى أن أرباح الدولة وصلت لنحو 3 ملايين دولار أسبوعياً، في عام 2011 ويقول موقع وزارة المالية الرسمية، إن الضريبة تصل إلى 40 % على الأرباح.

هذا عن الأرباح المنظورة، أما تلك غير المنظورة فقصة أخرى, لا يبدو أن أحداً يُريد الحديث عنها. لكن الجميع يؤكّد وجود صندوق أسود يستفيد منه في العادة رئيس الجمهورية ومسئولون نافذون في الدولة.

تقول مصادر مطلعة إن الرئيس فؤاد شهاب، الذي اُفتتح الكازينو في عهده، هو من أوجد هذا الصندوق الأسود، ووضع جزءًا من عائدات الصندوق لتنمية قطاع السياحة في كسروان، حيث يوجد الكازينو.

لكن هذا الأمر ألغي عند إعادة افتتاح الكازينو عام 1996 وصارت عائدات الصندوق تذهب كاملة لرئيس الجمهوريّة ولجهاز الاستخبارات السورية الذي كان مسيطراَ على البلد، إضافةً لعدد من حلفاء النظام السوري في لبنان من سياسيين من كسروان وخارج كسروان متنفذين في لبنان، وقد موّل هذا الصندوق عمليات انتخابية وحملات إعلامية ضد سياسيين!

وقد ورد ذكر هذا الصندوق الأسود في تقارير للجنة التحقيق الدولية باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، عبر الإشارة إلى أن جهات استخباراتية كانت تستخدمه وتتصرف بأمواله من دون حسيب ورقيب لتمويل نشاطاتها واعمالها السرية، وقد يكون بينها اغتيال الحريري.

 “أبطال” اللعبة

للفساد في كازينو لبنان “أبطال”، أحدهم موجود داخل مجلس إدارة المؤسسة، كما يقول أحد الموظفين الإداريين، وهو يتخذ القرارات ضارباً عرض الحائط بقرارات مجلس الإدارة.

ويسرد الموظف سابقةً خطيرة حدثت على خلفية قرار بترقية أحد الموظفين الأكفاء إلى مرتبة نائب مدير، لكن “البطل” قرر – رغم كفاءة الموظف العلمية والمهنية – أن الترقية يجب أن تكون لشخص آخر من فريقه السياسي لا تصل مؤهلاته العلمية الى مستوى مؤهلات المرشح, بالاضافة الى تغيبه المستمر عن العمل.

عضو مجلس الإدارة تمادى في سلطته، وأكملها بوقف معاملات البناء في محيط الكازينو ولو كان الترخيص منجزاً في التنظيم المدني إلا مقابل بدل مادي، وبذلك جُمِدت رخص كثيرة، اذ إنه لتمرير الرخصة يجب الدفع أولاً.

 سر الانهيار

هناك من يرى أن ثمَة مشكلة كبيرة في الكازينو وأنه في طريقه فعلياً الى الانهيار المالي، ويستندون في كلامهم إلى أرقام، ويعني هذا أن أكثر من 1500 موظفاً هم في طريقهم إلى البطالة. ويعزو هؤلاء هذا الانهيار إلى عدم وجود إدارة كفؤة، ويرون أن الحل في إدارة حازمة وجدية تقف في وجه التدخلات خصوصاً من القوى السياسية التي تريد وضع يدها على الكازينو وتكون قادرة على وضع خطة للنهوض والتطوير، لتسيير المرفق بمسؤولية, وذلك لن يتحقق إذا لم يقطع دابر التدخلات السياسية والمحسوبيات.

السبب الثاني للمشكلة هو عدم كفاءة معظم رؤساء الأقسام والمديريات والفروع، بسبب تعيينهم نتيجة ولاءاتهم وانتماءاتهم السياسية، بل يتم وضع “فيتو” على الموظف الكفؤ إذا لم يكن ينتمي إلى فريق سياسي.

 مشهد المحسوبيات واضح وفاقع، فلا رقابة على بعض الصفقات التي تتم في وضح النهار، ويناط أمر القوة الأمنية الخاصة بالكازينو، والتي يتراوح عددها بين 100 و150 عنصراً، بضابطين محسوبين على رئيس مجلس الإدارة، يتقاضى كل منهما راتباً شهرياً يقارب الـ7000 دولار.

وقد برزت في الآونة الأخيرة تحركات بدأت برفع الصوت، حيث طلب عدد من الموظفين الاجتماع برئيس مجلس الادارة للنظر في الخلل الذي يعترى عمل المؤسسة.

لكن رئيس مجلس الإدارة – كما يقال – يرفض الاجتماع بالموظفين، ما دفع أكثرهم إلى رفع سقف تحركهم الى مجموعة مطالب من أجل التطوير، معتبرين أن أموال المؤسسة تذهب هدراً، فجوبهوا مجددًا بأن رئيس مجلس الإدارة يرفض مقابلتهم، فكان ردهم زيارة رئيس الحكومة تمام سلام لشرح أوضاعهم، كما تم الاتصال بحاكم مصرف لبنان، لوضعه في أجواء القلق التي يعيشها الموظفون.

لماذا الفساد والهدر في الكازينو؟

بعد أن بلغت دخل الكازينو في كل من عامي 2011 و2012 نحو 270 مليون دولار، بدأ بالتراجع في العام 2013 ليصل الى 220 مليون دولار.

وتُرجِع الادارة أسباب الانخفاض إلى تراجع الموسم السياحي نتيجة الأوضاع الاقليمية، لكن زعمها هذا لا يستقيم، بسبب أن معظم رواد الكازينو هم من اللبنانيين المحليين وليسوا من السياح العرب أو الأجانب.

وبموجب العقود الموقعة مع إدارة الكازينو, فإن حصة الدولة ترتفع  60 % في العام الجاري 2016, وإذا ما استمر التراجع، فإن الدخل المتوقع في 2016 سيكون أقل من 200 مليون دولار، وعندها ستحصل الدولة على أقل من 120 مليون دولار فقط، في حين سترتفع الرواتب وحدها الى نحو 90 مليون دولار، ولن يكون المتبقي (أقل من 30 مليون دولار) كافياً حتى للصيانة أو التجديد.

«بالوعات» الكازينو تسعى لابتلاع الفقراء

50 % من دخل كازينو لبنان يأتي من صالة «البالوعات»، ولأن الرقابة على حسابات هذه الصالة شبه معدومة, يحاول القائمون على إدارة الكازينو إغراء المزيد من الفقراء لإدمان هذا النوع من ألعاب «القمار» طمعاً بالمزيد من الارباح، وتحقيقاً للمزيد من الصفقات, ولذلك فقد اشترى الكازينو 250 ماكينة (بالوعة) يعمل معظمها بواسطة «فيش» قيمة كل منها 100 ليرة فقط، إي أنها مخصصة للفقراء وذوي الدخل المحدود! وقد بلغت قيمة هذه الصفقة 10 ملايين دولار، وتمت بأسلوب يثير شبهات فساد وعمولات .

وقد شكل مجلس إدارة الكازينو لجنة من عضوين فقط لإنجاز هذه الصفقة، هما رئيس مجلس الإدارة المدير العام حميد كريدي (المحسوب على رئيس الجمهورية) وعضو مجلس الإدارة فادي تميم (مستشار رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة).

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …