على عكس القضاء الذي أظهر بعض دوائره جرأةً في تأكيد استقلاله النسبيّ عن السلطات التنفيذية بإصداره حكماً نهائياً بمصريّة جزيرتي صنافير وتيران، بدا “برلمان التحية العسكرية” الأربعاء الماضي مطواعاً وجاهزاً للبصم على الاتفاقية ذات الطبيعة السياسية (والمالية) التي وقعتها سلطات الانقلاب العسكري في مصر مع السعودية في 8 أبريل من العام الماضي، في استهانة واضحة حتى بالدستور الذي وضعته سلطة الانقلاب والذي يفترض بـ«ممثلي الشعب» أن يحافظوا عليه.
الموافقة التي جرت هي إهانة ودلالة على عدم جدارة من جيئ بهم ليكونوا نوابا عن الشعب في “برلمان التحية العسكرية” وتأكيد على أن سلطة الانقلاب رسمت هذا الدور لحياكة القرار وتطريزه كغيره من القرارات التي تدخل في صميم أعمال المجلس لتلبي رغبات سلطة السيسي ومؤسساته، التي لم تستشر من أتوا بهم كنواب حين قصفت ليبيا، أو حين ساهمت في القتال في اليمن، ولم تكن لتستشيرهم أيضاً في موضوع صنافير وتيران، لولا أنّها احتاجت لإعطاء بعض المصداقية لقرارها الذي لا يحظى بشعبيّة أبداً كونه يضغط على عصب السيادة الوطنيّة لدى المصريين ويهزّ كبرياءهم, باعتبار أن ما تم هو بيع للجغرافيا بطريقة فظّة وبثمن لن تطالهم منه فائدة.
المثير للسخرية أن السلطات التنفيذية المصريّة لم تنتظر أصلاً قرار البرلمان ولا اهتمّت بقرار المحكمة ضدّه!
يعني هذا في ما يعنيه أن جهود المحامين، ومظاهرات الفرح التي انطلقت نتيجة الحكم «التاريخي»، ومعارضة من عارض من النواب المصريين أو موالاة من والوا منهم، ما كانت كلّها لتغيّر شيئاً، إذ لا وزن لها في موازين السيسي الذي أوصته والدته بـ«إعطاء الحقّ لأهله».
مع ذلك يبدو أن الاستعجال الظاهر في توكيد القرار وحسمه كان ضروريّاً في عرف النظام المصريّ لطمأنة السعوديين على أن لا تراجع في «الصفقة» وأن السلطات قادرة على كتم صيحات غضب المصريين وإخراج الأمر بالطرق «الديمقراطية» اللازمة .
يمكن أيضاً قراءة هذا القرار على خلفيّة الأزمة الخليجية الحاليّة؛ فهي تعبّر عن رضا السيسي عن الاتجاه السياسيّ المستجدّ الذي اتخذته السعودية نحو قطر، ومساندتها إياه ضد شبح شرعيّة الرئيس محمد مرسي الذي يطارده عبر الموقف المضاد للإخوان المسلمين من خلال حشرهم القسريّ ضمن «قوائم الإرهاب» بحسب رأي صحيفة “القدس العربي”.
الاستعجال في إخراج مسرحيّة ترسيم الحدود البرلمانية هو، بهذا المعنى، إسهام في «المجهود الحربي» ضد قطر وتدعيم لموقف الإمارات، وفوائده المتبادلة كثيرة ومن بينها، على سبيل المثال، مساندة السعودية للتدخّل المصريّ المتزايد في ليبيا.
أحد الجوانب الخفيّة لتسليم الجزيرتين يتعلّق الأجندة الأمريكية ـ الإسرائيلية للتقارب مع السعودية وحلفها الجديد مع الإمارات ومصر.
الفريق أحمد شفيق رجل “الاستبن الإماراتي” للرئاسة المصرية، أدلى بدلوه في توضيح هذا الاتجاه حيث قال إن ضمن حيثيات اتفاق تسليم الجزيرتين إيجاد ممر دولي مفتوح بين مصر والجزيرتين «السعوديتين» لا سيطرة لأحد عليه، وهو ما اعتبره مشروعاً يهدد الأمن القومي المصري وشريانها الحيوي قناة السويس.
وكان شفيق لطيفاً، في هذا السياق بقوله لرئيس برلمان العسكر؛ علي عبد العال إن «من حارب وقدّم الشهداء لا يعرف بيع الوطن على الإطلاق أو التفريط فيه»، ولكن السؤال هو: هل يعود ضمير الغائب في خوض الحرب وبذل الشهداء إلى الشعب الذي يفترض بعبد العال أن يمثله أم إلى ضباط الجيش الكبار الذين يسيطرون على السلطة والاقتصاد والامتيازات وقرارات التنازل عن الجزر والسيادة؟
تقرير قضائي تجاهله برلمان التحية العسكرية
وكان تقرير قضائي لأعلى محكمة في مصر أوصى برفض منازعتين أقامتهما الحكومة لوقف تنفيذ حكم نهائي قضى ببطلان اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية مع السعودية.
وقال مصدر قانوني إن “برلمان التحية العسكرية ” كان على علم بذلك التقرير؛ لذلك سارع بالتصديق على الاتفاقية، الأربعاء الماضي، حسب وكالة الأناضول.
وقال مصدر قضائي إن هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا أوصت في تقريرها بعدم قبول المنازعتين المقامتين من الحكومة لوقف تنفيذ حكم نهائي صادر من المحكمة الإدارية العليا بمصرية جزيرتي صنافير وتيران, وبطلان الاتفاقية.
وأضاف المصدر أن التقرير استند إلى أن حكم مصرية الجزيرتين الصادر من المحكمة الإدارية العليا لا يُعارض مبادئ وأحكام المحكمة الدستورية العليا بشأن عدم ولاية القضاء لنظر اتفاقيات ترسيم الحدود.
وأوضح أن حكم «الإدارية العليا» فصل في مواد دستورية، ولا علاقة له باتفاقيات ترسيم الحدود.
ولفت إلى أن المحكمة الدستورية العليا حددت جلسة 30 يوليو المقبل لنظر المنازعتين المقامتين من الحكومة لوقف تنفيذ الحكم.
ومن جانبه، قال «طارق نجيدة»، عضو هيئة الدفاع في دعوى بطلان الاتفاقية، إن التقرير يؤكد على قانونية حكم بطلان الاتفاقية، وأن البرلمان كان على علم بهذا التقرير لذلك سارع إلى تمرير الاتفاقية.
وأكد نجيدة، في تصريحات صحفية، أن مصير الاتفاقية لم ينته بتصديق البرلمان عليها، لكن هناك طرقًا قانونية سنسلكها لمنع تسليم الجزيرتين للسعودية، دون مزيد من التفاصيل.
كانت المحكمة الإدارية العليا في مصر قضت في يناير الماضي، بمصرية الجزيرتين، تأييداً لحكم سابق صدر في يونيو 2016، من «محكمة القضاء الإداري» يقرر الأمر ذاته، ويلغى الاتفاقية التي وقعتها مصر والسعودية، في أبريل 2016.
وفي أغسطس الماضي، أقامت هيئة قضايا الدولة (ممثلة عن الحكومة) منازعتين أمام الدستورية العليا لوقف تنفيذ الحكم بدعوى مخالفته نصوص الدستور والقانون، كون الاتفاقية عمل من أعمال السيادة، وليست من اختصاص القضاء.
ورغم تعويل السلطات المصرية على حكم الدستورية خلال الفترة الماضية، إلا أنها كررت دائمًا أن البرلمان صاحب الاختصاص الأصيل.
وقد أقر البرلمان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، التي تتنقل بموجبها السيادة على الجزيرتين من مصر إلى السعودية، بعد ثلاثة أيام فقط من بدء مناقشة الاتفاقية على مستوى اللجان.
وتقول الحكومتان السعودية والمصرية إن الجزيرتين كانتا تخضعان للحماية المصرية منذ عام 1950 بناءً على طلب من الملك عبد العزيز آل سعود.
لكن محامين معارضين للاتفاقية يقولون إن سيادة مصر على الجزيرتين تعود إلى اتفاقية موقعة عام 1906؛ أي قبل تأسيس المملكة. فيما اتهم ناشطون الحكومة والبرلمانيين الذين وافقوا على الاتفاقية بالخيانة والتفريط في تراب الوطن.
تجدر الإشارة إلى أن مجلس الشورى السعودي، أقرّ الاتفاقية بالإجماع، في 25 أبريل 2016.
وتسبب التأخر في إقرار الاتفاقية من جانب البرلمان المصري والدعاوى القضائية التي تطالب ببطلانها في توتر العلاقات بين مصر والسعودية لشهور قبل أن تتحسن في الآونة الأخيرة.
وأثارت الاتفاقية اتهامات من جماعات معارضة للحكومة بالتنازل عن الجزيرتين مقابل استمرار تدفق المساعدات السعودية؛ أكبر داعم لمصر منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات