“العفو الدولية”: مصر تقمع حرية الصحافة بالرقابة والحظر والحجب والاعتقال

تحت عنوان “مصر: السجون أصبحت الآن “غرف أخبار” الصحفيين” نددت منظمة العفو الدولية في بيان لها اليوم الثلاثاء، من إحكام السلطات المصرية، قبضتها على وسائل الإعلام من خلال قمعها المستمر منذ عام 2016، للصحفيين الذين يتجرؤون على الخروج عن الرواية الرسمية للأحداث.

ودعت المنظمة السلطات المصرية إلى إنهاء جميع أشكال الرقابة والمضايقة والترهيب التي تستهدف الصحفيين دونما سبب، داعية إلى احترام حقهم في حرية التعبير.

وطالبت بالإفراج عن جميع الصحفيين الذين قبض عليهم لا لشئ سوى أداء عملهم الإعلامي المشروع وممارسة حقهم في حرية التعبير.

وناشدت العفو الدولية السلطات بتحقيق نزيهة بخصوص الادعاءات عن تعرُّض صحفيين للاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، تمهيدا لتقديم المسؤولين عن هذه الأفعال إلى ساحة العدالة في إجراءات تتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

حق المعلومة

ورصد تقرير “العفو الدولية” في نحو 7 صفحات انتهاكات لحق الصحفيين في حرية التعبير، ولحق عموم الجمهور في الحصول على معلومات مستقلة.

وأضاف التقرير أنه على مدى السنوات الأربع الماضية، تعَّرض عشرات الصحفيين وغيرهم من الإعلاميين لممارسات من جانب السلطات، تراوحت ما بين القبض والاحتجاز التعسفي واتهامات تتعلق “بالإرهاب” والفصل من العمل، لمجرد تعبيرهم عن آرائهم.

وتابعت أن قوات الأمن داهمت ما تبقى من المنصات الإعلامية الإلكترونية المستقلة القليلة في مصر، وحجبت مئات المواقع. وكان من شأن إقرار قانون قمعي بشأن الصحافة والإعلام المسموع والمرئي والإلكتروني في عام 2018 أن يمنح السلطات مزيدا من الصلاحيات، للتحكم في المحتوى الإعلامي، وتقييد حق الصحفيين في حرية التعبير، بالإضافة إلى فرض عقوبات بالسجن على الانتقادات عبر الإنترنت.

ونبهت المنظمة في صدر تقريرها إلى أهمية ضمان حرية التعبير والحصول على معلومات موثوقة خلال فترة الطوارئ الصحية العامة بسبب انتشار وباء كورونا، وذلك لبناء الثقة في أوساط الرأي العام، والتصدي للمعلومات الخاطئة، مستدركة أنه بدلا من ذلك، وفي محاولة للتحكم في الروايات بشأن الوباء، حذرت النيابة العامة، في 28 مارس 2020، أولئك الذين يكتبون عن وباء كورونا بأنهم قد يواجهون عقوبة الترويج لأخبار كاذبة ويواجهون عقوبة تصل لمدة خمس سنوات أو غرامة تصل إلى 20 ألف جنيه مصري، حوالي 1200 دولار أمريكي.

وأضافت أن السلطات سارعت إلى وضع تهديدات النيابة العامة موضع التنفيذ، حيث قبضت على ما لا يقل عن 37 شخصا، بينهم 12 صحفيا ينتمون لمؤسسات حكومية أو تصنف بتأييدها للحكومة، وعدته سلوكا يهدف إلى “خنق الأصوات الإعلامية المنتقدة”، واعتقال صحفيين دونما سبب سوى أداء عملهم المشروع أو ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير من خلال صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أو بسبب عملهم الإعلامي، بما في ذلك انتماؤهم إلى وسائل إعلامية تصفها السلطات بأنها “معادية” لمصر، أو إجراء تحقيقات صحفية، أو نشر مواد تنطوي على انتقادات، أو تغطية مظاهرات معارضة للحكومة.

وأشار التقرير إلى اعتماد السلطات المصرية بشكل متزايد على قانون مكافحة الإرهاب لخنق الأصوات الإعلامية المنتقدة، بالإضافة إلى استخدام تهم “إساءة استخدام منصات وسائل التواصل الاجتماعي” أو “نشر أخبار كاذبة”.

واعتبرت أن من الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان، تحويل هذه القضايا ضمن اختصاص نيابة أمن الدولة العليا، وهي هيئة خاصة متفرعة من النيابةً تتولى التحقيق في أمن الدولة، والحالات التي تمثل تهديدا لها، لافتة إلى قد توصل المنظمة في بحوث سابقة إلى أن نيابة أمن الدولة العليا كانت ضالعًة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاختفاء القسري والتعذيب والحبس التعسفي المطَّول والمحاكمات الجائرة.

“قوى الشر”

وخصّ التقرير مصطلح “قوى الشر” الذي دأب السيسي وإعلام الحكومة والموالين لها بنشره، وقالت المنظمة إنه يعد انتهاكا “للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية”، الذي انضمت إليه مصر كدولٍة طرف.

وأنه في سياق تفسير هذا الالتزام، أكدت “اللجنة المعنية بحقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة على أن القيود التي تعرض الحق في حرية التعبير نفسه للخطر، بنهج يضع كل انتقاد للسلطات أو كشف المخالفات في هذا التوصيف.

وأضافت أن طبيعة التحقيقات التي يجريها “قطاع الأمن الوطني”، وهو أحد قطاعات الشرطة، مع الصحفيين أن السلطات تتعامل مع شكل من المعارضة السلمية أو الانتقاد باعتباره نوعا من “الإرهاب”.

وأوضحت أن مسؤولي “قطاع الأمن الوطني” يستجوبون الصحفيين في تهم تتعلق “بالإرهاب” ومن ذلك محتوى المادة التحريرية التي يصوغونها، وعن أسماء المصادر السرية، وعن سير العمل في مؤسساتهم وعن تمويلها، وعن تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

تحكم في الروايات

وفي عناوين عريضة لفت تقرير العفو الدولية إلى مجموعة من الانتهاكات ومنها “تحكم الدولة في الروايات الإخبارية للأحداث”، ورصدت ذلك منذ الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي، باعتقال الصحفيين وغلق الوسائل الإعلامية، التي يرى أنها مؤيدة لجماعة “الإخوان المسلمين”، وتصاعد ذلك الانتهاك في أعقاب التغطية الإعلامية التي انطوت على انتقادات لقرار السلطات المثير للجدل بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية في إبريل 2016.

وأضافت أن الاعتداء المتواصل على حرية التعبير في الإعلام يأتي في ظل استحواذ “شركة إيجل كابيتال”، المملوكة لجهاز المخابرات العامة” منذ عام 2017، على معظم الوسائل الإعلامية المصرية الخاصة التي كانت تعمل تحت مظلة “المجموعة المصرية للإعلام”.

الرقابة الاستباقية

واشارت العفو الدولية إلى أن السلطات تمارس الرقابة الاستباقية، وأنها من واقع لقاءاتها مع خمسة صحفيين من وسائل إعلامية مختلفة، خاصة أو حكومية، ذكروا أنهم كانوا يتلقون تعليمات استباقية من خلال مجموعات على تطبيق “واتساب” بخصوص الموضوعات التي يجب تغطيتها أو تجنب الحديث عنها، وأسماء الضيوف.

وبينت العفو الدولية اطلاعها على رسالة كانت التعليمات الموَّجهة لرؤساء التحرير في يناير2020 على النحو التالي: “عدم تناول أية تفاصيل متعلقة بالخطة ما يسمى بـ”خطة السلام” التي طرحها الرئيس ترامب، أو ما يعرف باسم “صفقة القرن”، أو الاجتهادات بشأن مساس الخطة بالثوابت المصرية والعربية إزاء القضية الفلسطينية”.

وأضافت أنه لم تظهر أية تغطية انتقادية للخطة تقريبا باستثناء حفنة من المواقع الإلكترونية المستقلة.
واستطردت أن صحفيا يعمل في صحيفة حكومية، تلقى تلك الرسالة، وصف رئيس تحرير صحيفته بأنه “ضابط أمن”، وذلك بسبب اتصالاته المنتظمة وفرضه لما يصفه بأنه “سياسة الدولة”.
ونقلت عن الصحفي قوله: “عادًة ما تصلنا التعليمات بشكل مبطن. فعندما يوقف رئيس التحرير مناقشًة ما عن المواد التحريرية الآنية هذه هي “سياسة الدولة”، أو عندما يطلب مَّنا عدم ذكر أسماء بعض الوزراء، أو الإشادة بأوضاع السجون خلال زيارات رسمية، أو تشويه سمعة بعض المعارضين، نفهم على الفور من أين تأتي هذه التعليمات”.

الرقابة الذاتية

وتحدثت منظمة العفو الدولية مع سبعة صحفيين وصفوا بشكل متسق أن عدم الالتزام الكامل بترديد الروايات الرسمية لأحداث أدى إلى حذف موضوعات معينة، ومنع مطبوعات بأكملها من الصدور، وحجب مواقع إخبارية إلكترونية.
ونقلت عن مدير تحرير صحيفة قوله: “في كثير من الأحيان نلتزم بهذه التعليمات لتجنب التأخير في طبع الصحيفة إذا ما حذفوا أي موضوع. ونحتفظ بمقالات احتياطية لوضعها في حالة حذف أي مادة بشكل غير متوقع”.

وأضاف الصحفي لمنظمة العفو الدولية إن قوات الأمن تحذف كثيرا من المواد الصحفية، سواء مواد إخبارية أو مقالات رأي، خلال “الفترات”، مثل فترات الانتخابات والاستفتاء على الدستور.

مداهمة وإغلاق

واشار التقرير إلى أن السلطات داهمت أمنيا ومنذ عام 2016 ، مكاتب خمسة وسائل إعلامية على الأقل، وقامت بترهيب العاملين فيها، والقبض عليهم فضلاً عن تعطيل خدماتها الإعلامية، وأنه في عام 2019، داهمت قوات الأمن مكتبي موقعين إعلاميين مستقلين، وهما “مدى مصر”، و”مصر العربية”، فيما بدا أنه انتقام مباشر من الموقعين بسبب موضوعات منشورة.

الاحتجاز التعسفي

واستغربت مقولة منسوبة لرئيس المجلس الأعلى للإعلام مركم محمد أحمد “لا يوجد صحفيون بالسجون في مصر في قضايا تخص حرية التعبير”، وتوصلت المنظمة إلى أن الصحفيين -37 صحفيا- المقبوض عليهم أخيرا على صدى كورونا، ليس بسبب جنائي، بل لعملهم المشروع أو ممارستهم السلمية لحقهم في حرية التعبير، ومن بينهم ما لا يقل عن 20 صحفيا آخرين، اعتقلوا بسبب انتقاد السلطات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

واشارت المنظمة إلى توصلها لتهديد الصحفيين المحتجزين بالتعذيب إذا لم يفصحوا عن المعلومات المطلوبة، وذكر محامون لمنظمة العفو الدولية أن صحفيا تعرض للصدمات الكهربية، وأجبروه على الاستماع لصرخات محتجزين آخرين، وصحفيين هدد أفراد الأمن باعتقال وتعذيب أقارب لهما.

كتبوا عن انتهاكات ومخالفات

وأشارت المنظمة إلى اعتقالات لصحفيين كتبوا عن انتهاكات حقوق الإنسان ومخالفات حكومية كالتدخل في الانتخابات الرئاسية ومنهم معتز ودنان معتقل منذ 16 فبراير 2018، واسماعيل الاسكندراني المعتقل منذ 22 مايو 2018، والمحكوم ب10 سنوات عسكريا بتهمة الحصول على أسرار عسكرية ونشرها”، و”نشر أخبار كاذبة”، و”الانضمام لجماعة محظورة”. وجاء الحكم عليه بعد حوالي 30 شهرا أمضاها رهن الحبس الاحتياطي.

شاهد أيضاً

إيران وإسرائيل توقفان الهجمات المتبادلة بعد تدخل ترامب

أعلن مقر ختم الأنبياء الإيراني، الاثنين، وقف العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، عقب جولة قتال دامت …