حق الإنسان في السلامة الشخصية وضماناتها وانتهاكاتها (1)

الإنسان محل تكريم الله تعالى، ولا يتحقق هذا التكريم بالتعدي على سلامة شخصه أو معاملته المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ومن ثم حرمت المواثيق الدولية ومن قبلها الشريعة الإسلامية التعدي عليه واعتبرت تعذيبه جريمة، ولم تكتف المواثيق والشريعة بالنصوص التي تقرر حق السلامة الشخصية، وإنما تضمنت ضمانات كافية لحماية لهذه الحقوق من انتهاكها، ورغم هذه الضمانات فقد يقع انتهاك لهذا الحق عند تطبيقه من جانب السلطة، وبيان ذلك في ثلاث عناصر:

أولا : تقرير الحق في السلامة الشخصية في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية:

ثانيا : ضمانات وكفالة الحق في السلامة الشخصية في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية:

ثالثا: انتهاكات الحق في السلامة الشخصية.

 

أولا: تقرير الحق في السلامة الشخصية في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية

إذا كانت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد نصت على أنه يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق, وقد وهبوا عقلاً وضميرًا, وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء، فلا شك أن هذه المادة هي صدى لمقولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، والتي تعبر بصراحة واضحة عن حرية الإنسان في الإسلام. أما المادة الثالثة من ذات الإعلان فقد نصت على أنه لكل فرد الحق في سلامة شخصه. وحق السلامة الشخصية محترم في الإسلام فلا يجوز ترويع أي إنسان مسلمًا كان أم غير مسلم, أو تخويفه أو إهانته أو ضربه أو تعذيبه أو الطعن في عرضه، فقد روى مسلم في صحيحه عَنِ ابْنِ حِزَامٍ، أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يُعَذِّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ.

وسنرى نصوص المواثيق الدولية التي قررت الحق في سلامة الشخص وحرمت التعدي عليه، وأن الشريعة الإسلامية الغراء سبقت هذه المواثيق فحرمت الاعتداء على السلامة الشخصية احتراما لكرامة الإنسان.

أ – تقرير الحق السلامة الشخصية في المواثيق الدولية:

كرسـت الشرعة الدولية الحق في سلامة الشخص وحرمت التعدي علية واعتبرت تعذيبه جريمة, وذلك بموجب نصوص آمرة وردت في وثائق أممية عديدة منها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية, والبرتوكول الاختياري الثاني الملحق به:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: ونصت المادة الخامسة منه على أن ” لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة “.
  • الاتفاقية الدولية في شأن الحقوق المدنية والسياسية 1966م: ونصت المادة السابعة منها على أنه ” لا يجوز إخضاع أي فرد للتعذيب أو لعقوبة أو معاملة قاسية أو غير إنسانية أو مهينة، وعلى وجه الخصوص فإنه لا يجوز إخضاع أي فرد دون رضائه التام والحر للتجارب الطبية أو العلمية”.
  • الإعلان الخاص بحماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب: ونص هذا الإعلان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم (2452 )، في 9 ديسمبر 1975م على حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة .
  • اتفاقية مناهضة التعذيب1984: وقد نصت هذه الاتفاقية المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 39/46 في 10 ديسمبر 1984م على مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

 ب – تقرير الحق السلامة الشخصية في الشريعة الإسلامية:

حرمت الشريعة الإسلامية الغراء الاعتداء على السلامة الشخصية، احتراما لكرامة الإنسان، تأسيسا على الآتي:

  • قال تعالى في كتابه الكريم: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ” الإسراء 70 .
  • حرمت الشريعة الإسلامية تعذيب الإنسان، فقال تعالى: (اذكروا نعمة الله عليكـم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم ) البقرة 49.
  • وقال تعالى: “والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغيـر ما اكتسبـوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا”.
  • وقال صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما” (رواه أبو داود)، وقال: ” إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا ” رواه مسلم.
  • وروي أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب له يستأذنه في تعذيب من لا يدفعون الخراج، فكتب إليه عمر قائلا: “فالعجب في استئذانك إياي في عذاب البشر كأني جنة لك من عذاب الله، فوالله لئن يلقوا الله بخطاياهم أحب إلي من ألقاه بعذابهم”. البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي.

 

ثانيا: ضمانات وكفالة الحق في السلامة الشخصية في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية

لم تكتف المواثيق والمعاهدات الدولية والشريعة الإسلامية بالنصوص التي تقرر حق السلامة الشخصية، وإنما تضمنت هذه – لو أحسن تطبيقها – ضمانات كافية لحماية لهذه الحقوق من انتهاكها:

أ- ضمانات وكفالة الحق في السلامة الشخصية في المواثيق الدولية:

في دليل التقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب ( بروتوكول اسطنبول) جاءت الصكوك الدولية التي تُنشئ التزامات معينة يتحتم على الدول احترامها لضمان الحماية من التعذيب، ومنها:

  • ضرورة اتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب, ولا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية، بما في ذلك الحرب، كمبرر للتعذيب (المادة ٢ من اتفاقية مناهضة التعذيب والمادة ٣ من إعلان الحماية من التعذيب) .
  • عدم طرد أو إعادة (رد) أو تسليم أي شخص إلى دولة أخرى، إذا توافر أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيتعرض للتعذيب (المادة ٣ من اتفاقية مناهضة التعذيب).
  • تجريم أفعـال التعذيب، بما في ذلك أعمال التواطؤ والمشاركة (المادة ٤ من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمبدأ ٧ من مجموعة مبادئ الاحتجاز، والمادة ٧ من إعلان الحماية من التعذيب، والفقرات 31- 33 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء) .
  • التعهد بإدراج التعذيـب ضمن الجرائم القابلة لتسليم مرتكبيها، ومساعدة الدول الأطراف الأخرى في صدد ما تتخذه من إجراءات جنائية بشأن التعذيب (المادتان ٨ و٩ من اتفاقية مناهضة التعذيب) .
  • الحد من استعمال الحبس بمعزل عن العالم الخارجي؛ وكفالة أن يكون حجز المحتجزين في أماكن معترف رسميا بكونها أماكن احتجاز؛ وإتاحة وصول الأطباء والمحامين وأفراد الأسرة إلى المحتجزين (المادة ١١ من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمبادئ الواردة في القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء).
  • ضـمان إدراج التعلـيم والإعلام فيما يتعلق بحظر التعذيب في تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (مدنيين وعسكريين)، والعاملين في ميدان الطب، والموظفين العموميين وغيرهم من الأشخاص ذوي الصلة (المادة ١٠ من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة ٥ من إعلان الحماية من التعذيب، والفقرة ٥٤ من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء) .
  • ضـمان إقامة الدعوى الجنائية ضد المتهم أو المتهمين بارتكاب التعذيب إذا ما ثبت من تحقيق أجري أن عملا من أعمال التعذيب قد ارتكب، وضمان إخضاع المتهم أو المتهمين بارتكابها للإجراءات الجنائية أو التأديبية أو غيرها من الإجراءات المناسبة (المادة ٧ من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة ١٠ من إعلان الحماية من التعذيب).

 

 ب – ضمانات وكفالة الحق في السلامة الشخصية في الشريعة الإسلامية:

1ـ تحريم الاعتداء على ما دون النفس بالجرح أو الضرب أو القطع أو إذهاب منافع الأعضاء؛ وذلك يعد في شريعة الإسلام جناية تستوجب المعاقبة بالمثل، والأصل في ذلك قوله تعالى:” وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنف وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ” (المائدة 54)، وقوله تعالى:” وَإِن عاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ” (النحل 126).

وإذا امتنعت المعاقبة بالمثل لانتفاء بعض شرائطها، وجب على الجاني ضمان مالي يدفعه للمجني عليه، يسمى أرشا أو حكومة عدل، وذلك بحسب الجناية، والأرش: مقدار من المال محدد شرعاً، يدفع للمجني عليه تعويضاً له عمَّا لحق به من ضرر بسبب الجناية التي وقعت عليه، وحكومة العدل هي: ما يقدره الحاكم بمعرفة الخبراء العدول من تعويض مالي عمَّا ليس فيه أرث مقدر شرعاً من جرائم العدوان على ما دون النفس من جرح وتعطيل وغيرها.

2- تحريم الاعتداء على البدن بالضرب الذي لا يترك أثراً من إبانة طرف أو إذهاب منفعة أو شجة أو جرح, فذلك ليس فيه عقوبة مقدرة عن الشارع، وإنما يجب فيه عقوبة التعزير, حسب القواعد العامة في الشريعة الإسلامية ، ولمّا كان الضرب واقعة مادية تولد الشعور بالألم شـأن الجرح والقطع وإذهاب المنافع، فيجوز التعزير عليه بفرض تعويض مالي.

3ـ تحريم الاعتداء على المشاعر بالسب والشتم والازدراء ونحو ذلك: فمن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن كل فعل يؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين يعد محرماً. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ضرر ولا ضرار (رواه ابن ماجة), والقرآن والسنة تؤكدان تحريم إلحاق الضرر بالغير في شرفه وعرضه كما في السّب والقذف والتحقير والامتهان في المعاملة؛

ومن الأضرار المادية أن اتهام المرأة المحصنة بالزنا دون بينة شرعية مثبته جريمة، تسمى القذف، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور 4).

ومن الأضرار الأدبية الهمز اللمز الذي يعيب الناس واغتيابهم وما ينال من أعراضهم، يقول تعالى: ( وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنبَذَنّ فِي الْحُطَمَةِ) الهمزة.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …