يرى الداعية والسياسي الجزائري عبد الله جاب الله، أن تعطيل العمل بالشريعة مدخل لترسيخ الاستبداد في عالمنا العربي.
وقال إنه من العقبات والمعوقات الخارجية كذلك، تعطيل العمل بالشريعة، فأكبر سبب فيما حلّ بالأمة من أزمات، وفي فشل مشاريع الإصلاح المختلفة وبرامج محاولة النهوض بالأوضاع، وفيما انتشر من استبداد وفساد، وفي تعفن الحياة السياسية ولواحقها، إنما هو تعطيل العمل بالشريعة وتغييب الإسلام ـ الذي جاء في الكتاب والسنّة، وطبّقه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحكم به الخلفاء الراشدون، وكان مرجعية الدول والحكومات التي تعاقبت على حكم الأمّة قرونًا طويلةً من الزمن، مع تفاوت معروف في درجات الالتزام والاتّباع من حاكم إلى آخر ـ بصفة كاملة عن حكم حياة الناس وتسيير شؤون دولهم وأنظمة حكمها، حتى أضحى غريبًا على أوطانه منكورًا بين أهله.
يقول الشيخ القرضاوي تحت عنوان غربة الإسلام عن ديار الإسلام، بعد تشخيصه لواقع الأمة وأنظمة حكمها: “وأساس هذا كله أنّ الإسلام بشموله وتكامله وتوازنه غائبٌ عن الساحة غريبٌ في أوطانه منكورًا بين أهله معزولاً عن الحكم والتشريع وعن توجيه الحياة العامة، وشؤون الدولة في سياساتها واقتصادها وسائر علاقاتها بالداخل والخارج، وفرض على الإسلام أن يتقوقع في العلاقة بين المرء وربه، ولا يتجاوزها إلى العلاقات الاجتماعية أو الدستورية أو الدولية، ومعنى هذا أنّه فرض على الإسلام أن يكون نسخة من النصرانيّة في عهد انكماشها، أي يكون عقيدة دون شريعة وعبادة دون معاملة ودينا دون دولة، وقرآنا دون سلطات”.
وصدق الشيخ رحمه الله، ولذلك فلا غرابة أن ينتشر الفساد والفتن في حياة الأمة فالله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63]. ويقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[طه: 124].
سقوط أنظمة الحكم في يد العلمانيين
وأضاف: أنه من العقبات الكأداء أيضا سقوط أنظمة الحكم في بلادنا وفي معظم العالم العربي والإسلامي في أيدي النخب العلمانية التي تتبنى الفهم الفرنسي للعلمانية، وهو أشد فهم وأسوؤه، لأنه يجعل الأنظمة بما تملك من قوة متنوعة في حرب مستمرة على الإسلام في بعديه الأساسيين: البعد الشمولي الذي يجعل منه دينًا ودولةً عقيدة وعبادة وأخلاقا ومعاملات، فيخضع جميع مناحي حياة الأفراد والأسر والمجتمعات، وسائر مؤسسات الدولة وسياساتها المختلفة في مجالات الحياة المختلفة، وجميع مواقفها وعلاقاتها لأحكام الشريعة، والأنظمة المحكومة من العلمانيين ترفض ذلك.. ترفض العمل بشريعة الله تعالى وترى فيها إجحافا أو باطلا أو ظلما أو عجزا عن النظر في قضايا الدولة والمجتمع والفصل في شؤونها والحكم بينها.
والعلمانيون وإن تظاهروا بالإسلام وقالوا أنّهم مسلمون ومارس بعضهم بعض الشعائر التعبدية لا يرضون به نظاما لحياتهم، ولا يقبلون أن تكون شريعته قاضية بينهم ولا حاكمة في شؤونهم، ويضيقون الخناق على التيار الإسلامي لأنه يدعوهم لذلك، وقد وصل الأمر ببعض الأنظمة إلى اتّباع سياسة محاولة القضاء على العاملين في الحقل الإسلامي، بالحرمان من الحقوق وحملات التشويه في الإعلام وبالتحقيقات المستمرة والسجن والفصل من الوظائف والحرمان من النشاط، وقد وصل الأمر في كثير من الأحيان إلى القتل والسجن المؤبد أو لفترات زمنية طويلة، وغير ذلك من صور الحرب التي تشنها الأنظمة على هذا التيّار.
كما أن هذه الأنظمة آخذة في نشر الفكر العلماني والمنظور الحضاري الغربي عبر مختلف السياسات والبرامج التعليمية والإعلامية، وتشجيع من يتبنى ذلك من الأحزاب والمنظمات والجمعيات والفضائيات والجرائد والإذاعات، حتى تنشأ أجيال لا تعرف من الإسلام إلاّ الفهم العلمانيّ له، وهو فهم كنسي بشعارات إسلامية، والإسلام براء من ذلك.
والبعد الثاني هو بعد المسؤولية الجماعية على هذا الدين، فالأنظمة وامتداداتها في التيّار العلماني تريد أن يكون الإسلام مجرد عقيدة وعبادات يؤديها الفرد بصفته الفردية وتمنع أن تؤدى بصفة جماعية، فالمسؤولية على الدين عندها مسؤولية فردية بحتة فمن شاء أن يصلي أو يصوم أو يحج فله ذلك على أن يسمع في ذلك أيضا لما تقرره السلطة عبر أجهزتها ومؤسسات للشؤون الدينية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات