د. عادل الأسطل
د. عادل الأسطل

د. عادل الأسطل : كُلّنا عنصريّون .. قطاع غزة نموذجاً!

تقتصر معلومات معظم الناس، عن قطاع غزة، على قزميّة مساحته (360كم2)، وعلى عدد سكانه (2 مليون نسمة)، وأنهم يتشابهون مع بعضهم البعض، سواء أكان هذا التشابه وطنياً (الانتماء والتضحية) أم اقتصادياً (الحركة والعمل)، أم اجتماعياً (العادات والأعراف)، أم ثقافيّاً (الفكر والممارسة)، لكن عددا قليلا يقف عند حقائق دامغة، وهي التي تكشف عمّا يُناقض ذلك كلياً أو جزئياً. فعند عرض بعض التفاصيل، ستكون هناك مفاجآت قد يعلم بها الكثيرون لأول مرّة.

التعويل على الانفجار من الداخل

قبل ذلك، يجدر التنبيه على أننا نحن العرب والفلسطينيين بخاصة، دائماً نجد ألسنتنا كثيرة الوصف للعرَض الإسرائيلي، باعتباره كياناً لَممَاً – خليطاً من إثنيّات وأعراق وأجناس مُختلفة –  اجتمعت من أنحاء الأرض، وأنه بقي على تشتته، حتى برغم تجمّعه في دولة يُقال لها (إسرائيل)؛ حيث الإشكنازيم – يهود من أصول غربيّة – يترفّعون عن السفارديم – من أصول شرقيّة – ثم يمينيّون متشددون يمقتون اليساريين الليبراليين، ثمّ متدينون (حريديّون) يُكفّرون العلمانيين وأتباع الهسكلاة، والإسرائيليون الأوائل يجتنبون المستوطنين، ويهود (أرض إسرائيل الكاملة)، يخوّنون أتباع (ناتوري كارتا، السلام الآن، بتسيلم)، وهم جميعهم يكرهون العرب كُره العمى، وهكذا.. وبالمناسبة فقد سبق أن عوّل كثير من العرب على تفجر إسرائيل من الداخل بواسطة تفاعل المعادلات السابقة، لتنتهي بتفجّرات صاخبة، تقضي على بنيتها المجتمعية، وقواها السياسية!

العرب أشد تشرذماً!

بعد سرد هذه البيانات، يجدر بنا العودة إلى مجتمعنا العربي، إذ يتعيّن علينا الوقوف على حقائق غاية في السوء، ربما تفوق تلك المنطبقة – كما ورد- على المجتمع الإسرائيلي، الذي لايزال متماسكاً إلى الآن، وربما سيمتد تماسكه إلى فترات طويلة تُخالف توقّعاتنا – وليس لأغراضٍ مُبيّتة مُطلقاً – حيث إن ذلك المجتمع، لا يزخر بأشكال مُعززة من العنصرية فقط، بل ويُبدي تشوّقاً لا يُطاق بشأن ممارستها، وليس في ناحية واحدة أو بعضها، بل في كل الأنحاء.

منذ الصغر حدّثنا الآباء عن نعرات عنصرية وقعت بشدّة داخل المجتمع الفلسطيني، سواء التي استمعوا إليها من أسلافهم أو تلك التي عاصروها على مدار حياتهم وبشكلٍ يومي (بدون تسميتها عنصرية)، وكنّا فيما بعد، قد لمسنا أنماطاً متعددة تدل ببساطة على أنها عنصرية، حيث كان لها آثار وخيمة في خلخلة المجتمع الفلسطيني، ووصوله إلى درجة لا يمكن من خلالها أن نجزم بأنه متماسك.

الأسوأ هو، ما إن تخفّ حِدّة صورة واحدة منها، بفعل التغيّرات والتقلّبات التي تطرأ على المجتمع ككل، حتى تتولّد صور أخرى، وتكون على درجة أقسى وأشد، وتبرز جلياً وتمتد لتطال أساسيات الحياة، وسواء المتعلقة بمسألة الاعتداد والدونيّة، أو بمعاملات البيع والشراء، أو المتّصلة بالروابط والمجاملات، أو بتلك المُرتبطة بالنشاطات الوطنية والثورية العامة.

.. وداخل الأرض المحتلة

كان من أعمق تلك الصور وأظهرها، صورة (الأسود – الزنجي- والأبيض)، وكانت الغلبة للأبيض، باعتباره حرّاً ، والتصاق الأسود بصفة العبيد، وأنهم يوجدون للخدمة فقط، ثمّ صورة أهل البادية – البدو- على اختلافهم، وأهل الفلِح – الفلاّحين والحضر- وهم أهل المدينة، والغلبة للبدو لـ(زعمهم) بأنهم ينحدرون من أنسال مُسمّاةً ولا شائبة فبها، ثم برز مصطلح القلاعيّة، نسبة إلى قلاع المدن، وتوطّدت هذه بشكلً خاص لدى مواطني مدينة خانيونس، نسبة إلى قلعتها التي تتوسط المدينة، ويقابلهم السيلاويّة، نسبة إلى وادي سهيل، الذي انحدروا منه، والغلبة للقلاعيّة، لزعمهم، بأنهم أرقى عرقاً، ومن أهل البلاد الأصلاء.

ثم درج وبشكلٍ أوسع عمّا قبل، مصطلح (شمال وجنوب)، أي شمال القطاع والذي مركزه مدينة غزة، وجنوبه والذي مركزه مدينة خانيونس، والغلبة للشمال حيث يشعر المنتمون إليه، بأنهم أكثر رُقيّاً وحضارةً وأعظم عتاداً وأموالاً، إلى الدرجة التي يترفّعون فيها عن تولي الوظائف الحكومية المقيّدة والدّنيا على نحوٍ خاص.

وبالوصول إلى الخمسينيات، برز داخل القطاع – ككل – مصطلح، (مُواطنين ومُهاجرين)، والمواطنون هم أهل البلاد، والمهاجرون هم من هاجروا نتيجة الحرب الصهيونية عام 1948، وتم إسكانهم في مخيمات تمت إقامتها بمحاذاة مدن القطاع، والغلبة كانت للمواطنين بادئ الأمر، ومُتوازنة بعد عدّة سنوات، وربما أصبحت تميل لهم الآن كما يبدو.

التسعينيات، شهِدت انطلاق مصطلح جديد، وهو (داخل وخارج)، حيث يُقصد بالداخل، سكان القطاع، والخارج هم الفلسطينيون الذين عادوا بناءً على اتفاقات أوسلو المُبرمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1993، وكانت الغلبة لهم، كونهم يُمسكون بزمام الأمور منذ البداية، ويحتلّون المراكز والمناصب المتفوّقة، ويحوزون امتيازات حكوميّة من غير حدود.

حماس وفتح

ومع بلوغنا منتصف 2007، فقد شهدنا الانشقاق الفلسطيني الكبير، بين (فتح وحماس)، وبعد أن كانت الغلبة لـ(فتح)، فقد أصبحت متبادلة ومتوازنة تقريباً، بدلالة أنهما لا تستطيعان إلى الآن، إيجاد تفاهمات ذات قيمة يُمكن أن تؤدّي إلى مُصالحة حقيقية، حتى برغم ما نتج عن لقاء الدوحة (النادر)، والذي تم مؤخّراً، بين الرئيس الفلسطيني “أبومازن” وبين كلٍ من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس “خالد مشعل” ونائبه “إسماعيل هنية”.

الصور السابقة، هي عينة من صور أخرى، وهي لا تزال سارية، وكما يبدو ستظل ممتدّة مستقبلاً، وإنْ بدرجات متفاوتة، وتبعاً للتطورات الاجتماعية وما يتعلق بها، وإذا كان لا بد من ذِكر أن هناك اختراقات لبعضها، فلابد أن نذكر أشدّها وأكثرها صعوبةً، وهي التي تكمن في الشمال والجنوب، باعتبارأنه ليس مأمولاً – على الأقل في المدى القريب – تلاشيها، وفي ضوء أنها لا تزال تتفاقم إلى الآن بدلاً من انحسارها!

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …