مثّلت كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في قمة منظمة التعاون الإسلامي، التي عقدت في إسطنبول بتاريخ 14 إبريل/نيسان الجاري كشفاً جديداً في عالم السياسة، وقد استطاعت أن تشخص العلل والأمراض، التي يعاني منها العالم الإسلامي، وتقدم المقترحات والحلول، التي يمكن أن تعالج حالات القصور والضعف فيه، وأن تضطلع بالدور الفاعل، من أجل معالجة الأوضاع المتردية، من خلال رؤية فاهمة للأوضاع .
وقد شملت رؤى ثلاثاً:
1- الرؤية الأولى تتعلق بالمشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي وهي عنده تصدر عن وجهة نظر موضوعية تنحصر في مشكلات أربع:
1- الإرهاب: والإرهاب من وجهة نظره مشكلة عامة أكثر ما يتأذى منها العالم الإسلامي. وهي أكثر ماتقع في بلاد المسلمين، وقد أهرقت جرّاء رؤاها المنحرفة دماء، وأزهقت أرواحا وأتلفت ممتلكات، وخرّبت بنىً, الأمة في حاجة إليها, وبالرغم من تعرض بعض دول العالم لبعض النشاطات الإرهابية إلا أن غالبية ذلك وقع في العالم الإسلامي. وهذا يتطلب من وجهة نظر موضوعية ومواجهة جادة وصارمة، ومواقف أكثر حزما من الإرهابيين الذين أضروا بالعالم الإسلامي بخاصة وبالعالم بعامة. وقد خلّفوا جراحا لا تندمل في البلاد التي نشطوا فيها. وقد أساءوا بذلك للإسلام الحنيف الذي يصدر عن التعاليم السمحة التي تمثل الرحمة المهداة للبشر جمعيا.
2- الطائفية: والطائفية واقع مرير يعيشه الناس في بلدان كثيرة، وقد ألحقت ضررا بالعالم الإسلامي، وعملت على تفكيك بناه السياسية وتمزيق نسيجه الاجتماعي وشلّه وتعطيل مرافق الحياة فيه, الأمر الذي يتطلب منا جمعيا أن نواجهها بالإجراء الحازم الذي يقتل الرؤى المنحرفة في مهدها، ويمنع الطائفيين من أن يحققوا أحلامهم المريضة في مجتمعاتهم. وقد كانت الطائفية ولاتزال في بلاد المسلمين بعامة المشكلة الأم التي تصدر عنها المشاكل جمعيا؛ فالإرهاب وليد الطائفية، أو هو بعض نتاجها وذلك بسبب الأفعال وردود الأفعال التي قد تكون دامية في بعض الأوقات، وقد تأذى منها بشر كثيرون ممن ليسوا في دائرتها، ومثالنا على ذلك تفجيرات أنقرة واسطنبول وبروكسل وباريس، وقد أزهقت فيها أرواح كثيرة وهي بالتأكيد لا علاقة لها بالإرهاب أو الطائفية من قريب أو بعيد. وعلى أساس من ذلك يكون همّ أردوغان الشخصي يتمثّل في مكافحة الإرهاب ومعالجة الطائفية، ومواجهة الرؤى المنحرفة التي تصدر عن ذلك.
3- المظلومية: وهي واقع مرير يطال العالم الإسلامي, وواجهة ذلك عند أهل الرأي سياسة الكيل بمكيالين والعمل بوجهين, والموقف الدولي من القضية السورية والقضية الفلسطنية ومن الإرهاب الصهيوني في فلسطين يؤكد حقيقة تلك المظلومية التي قد تكون إحدى البؤر التي تغذي الإرهاب وتعمل على توسيع دائرته ومدّه إلى ما هو أبعد. وهذه الرؤية يجب أن تصارح بها الدول الغربية بعامة التي يجب أن تعلم أن سياساتها غير المتوازنة، جعلت كثيرا من الشباب ينخرطون في الإرهاب ويصبحون بعضا من أدواته، بالرغم مما فيه من تأذٍ، لا يختلف حوله اثنان في شرق أو غرب. والحديث عن المظلومية أمام قمة التعاون الإسلامي، سيجعل من المسألة مهمة خاصة للتفكير بها بجد، وللتعامل معها بصدق وموضوعية قصد إزاحة كابوسها عن العالم الإسلامي، الذي كتب عليه أن يواجهها وأن يتحمل تبعاتها، الأمر الذي يعد مشكلة بحد ذاته. فالصداقة مع الغرب يجب أن يعقبها رفع المظلومية، من أجل بناء علاقات وطيدة مع تلك الدول التي تعدّ متورطة في المظلومية إلى درجة كبيرة جدا.
4- مشكلة اللجوء: وهذه المشكلة أكثر ماتعاني منها اليوم الدول الأوربية, وهي تصدر على وفق التقديرات عن طائفية مقيتة أدّت إلى أن يترك الناس بلداتهم، ويتحوّلوا إلى لاجئين يمدون أكفهم للناس. وهي مشكلة كما يرى أردوغان تتطلب منا التفكير بعمق, والتفكير بعمق يتطلب البحث في الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدّت إلى ذلك اللجوء، وإلى البحث عن الحلول المنجعة التي تعمل على تجفيف منابعها وهذه المسألة لاتكون إلا بالقضاء على الأفعى ذات الرأسين التي تتمثّل بالإرهاب والطائفية. وهي مسألة من شأنها أن تعيدنا إلى المربع الأول؛ الإرهاب والطائفية، وهما وجهان لعملة واحدة. وهذه الرؤية تضع السياسة الدولية أمام موقف حرج, فبدعمها للطائفية وتبنيها المشاريع الهدامة في بلاد المسلمين، ساهمت إلى حد كبير بإشعال الحروب الأهلية، وتحوّل جماعات كثيرة من البشر إلى إرهابيين. وبمتوالية موضوعية نستطيع ان نقول: إن الطائفية تؤدي إلى الإرهاب وإن الإرهاب يؤدي إلى المظلومية، وإن المظلومية تؤدي إلى اللجوء وتشخيص أردوغان لهذه المشاكل بعامة يصدر عن خاصتين:
الأولى تتعلق بالمعرفة الواسعة التي يملكها ذلك الرجل، وبما هو عليه من ثقافة.
والخاصة الثانية تتعلق بشجاعته الشخصية ومقدرته على الطرح الموضوعي. والمتتبع لحديثه أمام قمة التعاون الإسلامي يدرك ذلك بوضوح.
الرؤية الثانية تتعلق بحالة الهضم التي يشهدها العالم الإسلامي: وكائنا ما كان ذلك الهضم فهو بمثابة حقيقة واقعة في بلاد المسلمين دون استثناء، وحالة الهضم هذه تتمثل في مظاهر ثلاث:
1- عدم الجدية في حل المشكلات العالقة ومنها الإرهاب وعدم الجدية في مكافحة الإرهاب تتعلق بعدم الرغبة في البحث عن أسبابه الأولية، وعدم معالجة تلك الأسباب معالجة موضوعية وعلمية، وبتجرد عن السياسات التي تركض وراء مصالحها، أكثر مما تركض وراء ضمائرها التي تؤنبها على مواقفها الخاطئة، وعلى ماهي عليه من عدم مصداقية في تلك المواقف. والنظر في الإرهاب أولا، وفي الطائفية ثانيا، وفي القضايا الإسلامية المعلقة ثالثا يؤكد صحة ما نذهب إليه من رأي.
2- الإسلام فوبيا: الذي أدى إلى نمو مشاعر الكراهية ضد المسلمين في المجتمعات الغربية بخاصة وهي مشاعر وإن كانت تصدر عن اليمين المتطرف الذي ينشط في أوربا حاليا إلا أنها كذلك تصدر بسبب تلك السياسات التي تعد غير متوازنة في مواقفها مع المسلمين والتي أدّت إلى نمو تلك المشاعر وزيادتها، وهي تعد الحقيقة الواقعة التي لاتحتاج إلى دليل. وليس أضر من الأفعال وردود الأفعال سيما إذا كانت تصدر عن مشكلة واحدة .
3- تمثيل المسلمين في المنظمات الدولية ومنها الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وإذا علمنا أن عدد سكان العالم الإسلامي قد تجاوز ربع سكان العالم, وهي مسألة إحصائية، يكون من الحق أن يُمَثَّل المسلمون بمقعد دائم العضوية في مجلس الأمن، وهذا مالم يحدث. وهو الذي قاد ويقود إلى شعور بالهضم، وعدم القناعة بذلك المجلس، وبالمنظمة الدولية التي تهيمن عليها قوى متغطرسة تحتكم إلى القوة أكثر مما تحتكم إلى الحق، وهذه إحدى مصائب المسلمين، وماهم واقعين فيه من هضم وإشكال.
الرؤية الثالثة تتعلق بالأفكار المستجدة عند اردوغان: وهي تصدر عن معرفة موضوعية للعلاقة غير المتوازنة مع الدول الغربية بحاصة, ولما في العالم الإسلامي كذلك من أمراض وعلل ومشكلات عالقة، تتطلب حلولا منجعة, ولما هو في مستوى الطموح من رقي وتقدم لدول العالم الإسلامي كافة وهذه الرؤى تتمثل في:
-الرغبة في إصلاح بنية الأمم المتحدة، وجعلها تتسع لأعضائها كافة، مع الأخذ في الحساب العدد السكاني لتلك البلدان والمساحة التي تشغلها كذلك, وعدم تركها شلّاء وبحكم الضعيف والقاصر، الذي يستجدي المانحين بالرغم من ثرواته الكثيرة، وإمكانياته الضخمة, وماهو عليه من فائض.
– الرغبة في إقامة نظام تحكيم إسلامي خاص، ومحكمة إسلامية خاصة يكون مقرها إسطنبول، من أجل حل الخلافات التي قد تنشأ بين الدول الإسلامية بعضها من بعض، أو بين الشعوب وحكامها وهي مسألة غاية في الأهمية، فمشكلات المسلمين يجب أن تحل من قبل المسلمين، وهي رؤية تنبع من الواقع الذي يعيشه المسلمون، ومن حالة الشعور بالغبن والهضم التي يعيشونها حاليا, ومحكمة لاهاي التي لم تبت بقضية رئيس وزراء لبنان الأسبق؛ رفيق الحريري دليل على ذلك.
– الرغبة في حل المشكلة الفلسطينية بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وعدم ترك أمر الفلسطينيين معلقا. والمعروف أن أصابع الإرهاب الصهيوني لاتزال تطالهم وتعتدي عليهم، ومع ذلك لا تحرك المنظمة الدولية ساكنا من أجل نصرتهم. ومطالبة أردوغان بحل مشكلة الفلسطينيين جزء من السياسة التركية التي تهدف إلى أن تكون فاعلة في منظمة التعاون الإسلامي التي تأخذ على عاتقها معالجة المشكلات العالقة في العالم الإسلامي وعدم وقوفها عند حدود المشكلة بدون محاولة حلها.
– الرغبة في استقلالية القرار الإسلامي، وأن يكون ذلك القرار نافذا. والمعروف أن القرارات الإسلامية في الدول الإسلامية، تعد معطلة تقريبا. والدعوة إلى تفعيلها وإطلاقها تعبير عن الاستقلالية وهو بعض من التزام أدبي وموضوعي يتطلب من الجميع أن يكون مشاركا فيه.
– الرغبة في أن يكون للمسلمين هلال أحمر قائم بذاته من أجل خدمات المسلمين.
– الرغبة في عقد مؤتمر نسائي إسلامي عالمي، ويكون له مقر دائم في إسطنبول من أجل الدفاع عن المرأة المسلمة، والاهتمام بها، وتحريرها من ربقة الفساد الذي قد تكون قذفته إليها الثقافات المتخلفة والمزيفة، والتي تعد علّة مجتمعاتنا الحديثة في الوقت الحاضر.
رحلتنا هذه، في رحاب الكلمة الطيبة، التي ألقاها أردوغان، وما حفلت به من معان كريمة،تضعنا أمام تصورات ثلاثة:
1- أن نفكر بموضوعية وتجرد، وأن نفهم ذواتنا وغيرنا، وأن نصدر عن ذلك بصدق وامانة ومسؤولية وأن يكون طرحنا منطلقا من قناعتنا ومن رؤانا كذلك.
2- أن يكون تفكيرنا صادرا عن انتمائنا، والتزامنا، وأن يكون انتماؤنا والتزامنا مصدرا لمواقفنا وقراراتنا التي يجب أن تتصف بالالتزام وبالجدية.
3- أن نكون جديين في طرحنا، وآرائنا ومواقفنا العملية، وأن نتبع ذلك بما يعزز مواقفنا ويجعل من قراراتنا قرارات نافذة. وهذا ما قصده اردوغان، وهو مايتطلع إليه عامة المسلمين وخاصتهم.
…………………..
رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات