عم عادل المحبوس ظلما .. “محتسب بالثلاثة” بعد فقد أبنائه الثلاثة في حريق

قصص وتجارب ومعاناة السجناء كانت لا تخرج من غياهب السجون إلا بعد خروجهم أو من خلال غيرهم ممن سبقوهم في الخروج, أو ذويهم إذا سمح لهم السجان بزيارتهم.

في هذا الزمان وفي العديد من البقاع المثخنة بمخاض مولود جديد تجرع مرارة الذل والهوان والانكسار حينا من الدهر قبل أن يعرف للحرية مكانتها والعيش الكريم حلاوته والعدالة الآمنة مظلته، باتت قصص “الأحرار” سريعة التداول اتساقا مع لغة العصر وسرعة انتقال المعلومة بطرق شتى، بعضها عبر وسائط الكترونية والبعض الآخر بنظام النقل الشفهي ممن عاشها وشهد بها وعليها.

قصص وحكاوى ليست للتسلي ومصمصة الشفاه فحسب، بل للمدارسة وأخذ العبر والتحلي بمكارم أصحابها ممن يسطرون بصمودهم وصبرهم ملاحم بطولية سيذكرها التاريخ دوما.

تابعنا كما تابع الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي قصة عم عادل, “أبو نافع”, سجين الطغيان السيساوي في مصر, الذي فقد أبنائه الثلاث في حريق التهم بيته وأصيب آخرون، ورغم مرور أيام من وقوع الحادثة وانتشارها عبر وسائط الميديا المختلفة إلا أنني شعرت بتثاقل غير معهود منعني الكتابة أيامًا بلياليها.

رحت أسأل نفسي لماذا يابناني خذلتني؟ ألا يستحق عم عادل أن تكتب عنه؟ ألا يستحق أبناؤه الثلاثة الذي قضوا إلى ربهم بعد حريق شب في بيتهم؟ ألا يستحق ابنه المصاب والناجي من لهيب الحريق كلمات تصبره؟ ألا تستحق زوجة عم عادل كلمات تربط على قلبها؟ ألا يستحق إخوان عم عادل ونزلاء زنزانته كلمات تعبر عن حكمتهم البالغة في إدارة وتبليغ عم عادل نبأ وفاة أبنائه الثلاثة؟ ألا يستحق عم “أبو نافع” كما يطلق عليه رفاقه في السجن أن ننتفع بمواقفه فتزداد حسناته بوقفته بين يدي ربه بعد أن بلغه الخبر؟ ألا يستحق محبو عم عادل كلمات تزيدهم إصرارا على حقوقهم المهضومة على وقع المجنزرات وصفافير الإجهاد العصبي وقنابل الدخان ورصاصات اخترقت قلوب أحبابهم, نقلتهم من دنيا حالمة إلى آخرة فاصلة حاكمة؟

استجمعت شجاعتي وجلست لأنقل لكم سطورا من رسالة فيسبوكية أبكتني كما أبكت الملايين غيري، أبكتني تفاصيل كيف تلقى عم عادل نبأ وفاة ابنائه الثلاثة في حريق التهم بيته.

عم عادل “أبو نافع” كان جالسا في زاوية من زوايا زنزانته المكدسة بالأحرار واضعا سماعة فى أذنه ومنهمكا في سماع درس بليغ عن الصبر يلقيه فضيلة العلامة الشيخ الشعرواي يرحمه الله.

(ركزوا وانتبهوا .. درس يسمعه عن الصبر في توقيت اختاره الله من فوق سبع سماوات).

حينها كان خبر وفاة أبنائه الثلاث قد وصل لمن معه وهم حيارى يتدارسون بهمهمات فيما بينهم كيف سننقل هذا الخبر الثقيل على النفس لعم عادل؟!

وبينما هم يبكون وحائرون يخرج عليهم عم عادل بعدما انتهى من سماع الدرس ليخبرهم بأنه يريد أن يلقي عليهم خاطرة من وحي ما سمعه عن الصبر من الشيخ الشعراوي.

التفوا حوله وهم يحبسون دموعهم، لكن دموعهم الساخنة آخذة في الانسياب والتدفق كالسيل من مآقيها. عم عادل أفاض الله عليه بخواطر من هول ما سمعه ويراه ويستشعره من دموع إخوانه المنهمرة.

تحلى أحد إخوانه بالشجاعة وسأل عم عادل: يعنى يا عم عادل لو واحد مات له حد وهو في السجن يعمل إيه؟

فكانت الإجابة ملهمة ومحفزة لهم بالمزيد من الشجاعة لنقل الخبر الثقيل على قلوبهم، عم عادل يرد بكل ثقة وإيمان واحتساب بقوله : ” المفروض على هذا الأخ أن يصبر ولا يقول إلا ما يرضي ربه، إنا لله وإنا إليه راجعون”..

إجابة عم عادل زادت من لهيب الدموع الساخنة المنسكبة بدون ضوابط من مآقي إخوان عم عادل فقرروا التزام الصمت وتأجيل خبر الوفاة حتى يلملموا مشاعرهم ويتحلوا هم بالصبر الذي دعاهم إليه دينهم.

عم عادل ينام هذه الليلة وهو لا يعلم أن له ثلاثة من أبنائه اصبحوا في عداد الموتى.

عم عادل يستيقظ في اليوم التالي .. فينظر إخوانه لبعضهم البعض ولسان حالهم كيف سينقلون له الخبر؟
أريدكم أن تغمضوا أعينكم برهة وتخيلوا أنتم لو كنتم مكان عم عادل ـ حفظ الله أبناءكم وأهليكم ـ أو كنتم مكان إخوانه ـ حماكم الله ـ في هذا المشهد المهيب كيف سيكون حالكم؟!

أحد الأخوة تحلى بالشجاعة, وإخوانه من حوله يؤزارونه بالالتفاف حول عم عادل الذي قال بمجرد سماعه الخبر منه:  “إنا لله وإنا اليه راجعون” ثم توضأ وصلى ركعتين وجلس في مكانه يذكر الله حتى توضأوا جميعهم وصلوا الغائب على أبنائه الثلاثة، وتوالت بعدها خواطر إخوانه ودعاؤهم لموتاهم بكل ما يصبر عم عادل.

عم عادل ربنا ألهمه الصبر لأنه صدق الله فصدقه.  

نعم صحيح مئة بالمئة .. عم عادل لم يمهله الله أيامًا أو سنوات ليختبره في صدق إيمانه بقضاء الله وقدره، بل عاجله بامتحان صعب للغاية .. امتحان أشد على أي إنسان من لحمٍ ودمٍ يقبع أسيرا لا لجرم ارتكبه بل لأنه يقول ربي الله واستجاب لنداء الحق “كونوا أنصار الله “.

عم عادل اجتاز الامتحان والحمد لله, وأسال الله أن نجتاز جميعا الامتحانات التى اختارها الله لنا.

عم عادل ورغم اجتيازه اللحظة الأولى من الخبر المفجع تحلى بالصبر اقتداءً بسنة الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه عندما قال “إنما الصبر عن الصدمة الأولى”.

لا تتصوروا أن عم عادل سينسى بين يوم وليلة أنه لن يرى أبناءه الثلاثة مرة أخرى، ولن يسمع ضجيجهم حوله ولا أصوات ضحكاتهم؛ تضحكه كما كانت تضحكه، ولا اصوات بكائهم.
لا تتصوروا أن عم عادل سينام وهو ينسى أنه لن يستطيع حتى أن يلقى عليهم نظرة الوداع

لا تتصوروا أن عم عادل سيكون سهلا عليه عدم سماع صراخهم وهم ينادون عليه ” بابا بابا باب …”

شكرا بناني .. أنك تحليت بالشجاعة رغم الدمع المسكوب من عيني وأنا اسطر لكم هذه الرسالة .. شجاعة متواضعة تحليت بها أمام شجاعة عم عادل وإخوانه الأحرار.

صبرك الله صبرا جميلا ياعم عادل, ولا أرى الله إخوانك ممن تأثروا بقصة فقدانك لثلاثة من أبنائك مكروها في عزيز لديهم .. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …