فوربس: السيسي في حالة حرب مع الشعب الذي يحكمه

أشار تقرير حقوق الإنسان الأخير الصادر عن الخارجية الأمريكية إلى أن أهم مشاكل حقوق الإنسان في مصر هي الاستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الأمن، وأوجه القصور في الإجراءات القانونية الواجبة، وقمع الحريات المدنية. 

ويشمل الاستخدام المفرط للقوة عمليات القتل والتعذيب غير المشروعة، وشملت مشكلات الإجراءات القانونية التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي ومحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري والمحاكمات الجماعية والاعتقال دون أوامر قضائية، وتشمل مشاكل الحريات المدنية القيود المجتمعية والحكومية على حرية التعبير ووسائل الإعلام، وكذلك على حرية التجمع وتكوين الجمعيات.

وجاءت التقييمات الصادرة عن المؤسسات الخاصة سلبية بنفس القدر أيضًا، وصنفت “فريدوم هاوس”, مصر في ترتيب منخفض على مستوى مؤشر حرية الصحافة، وقالت المنظمة إن أداء مصر سيء على مستوى الحريات المدنية وأسوأ على مستوى الحريات السياسية، وقالت المنظمة إن «الحكومة تضطهد بشكل منهجي أحزاب المعارضة والحركات السياسية»، وأن «الناشطين بمختلف أطيافهم يواجهون الملاحقة الجنائية والسجن».

وعلاوة على ذلك، لا توجد أي رقابة فعالة على السلطة التنفيذية، فالفساد متفشٍ وتسيطر الرقابة على وسائل الإعلام الحكومية والخاصة التي تدعم السيسي والجيش، وقد عانت الحرية الأكاديمية وتم تقييد حرية التجمع وتكوين الجمعيات تقييدا ​​صارما، وأظهرت القضايا القانونية درجة عالية من التسييس في المحاكم، مما يؤدي عادة إلى عقوبات قاسية على الأعداء المتصورين للحكومة. 

ويواجه منتقدو الحكومة حظر السفر، وعلى الرغم من القمع المتفشي، فإن الإرهاب مستمر بلا هوادة في شبه جزيرة سيناء.

وكتبت منظمة العفو الدولية عن استخدام الاعتقالات التعسفية الجماعية لقمع المظاهرات والمعارضة، وأشارت هيومان رايتس فيرست إلى أسوأ قمع حكومي منذ عقود، وقال فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري إن مصر لديها عدد كبير من حالات الاختفاء، وهي الظاهرة التي تصاعدت بسرعة منذ عام 2015.

مرجل دون صمام

ولم تتوقف ديكتاتورية السيسي عند سحق المعارضة السياسية, فهي مصممة على استئصال أقل شكوى من النظام. وفي مطلع أغسطس الماضي، حكم على 50 من رجال الشرطة، وهم عادة من جنود القمع الحقيقيين، بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد تنظيمهم إضرابا ضد ظروف عملهم، ومن المفارقات أنهم اتهموا بالتحريض على العنف وترهيب قوات الأمن.

وترغب كل من واشنطن والقاهرة في تحقيق الاستقرار, ولكن خنق حتى أكثر الانتقادات تواضعا هو أشبه بتصميم مرجل دون صمام للضغط ، وعندما يحدث انفجار لا مفر منه فإنه سوف يحرق كل شيء، على سبيل المثال، في عام 2011، لاحظت دائرة أبحاث الكونجرس أن الانتفاضة الشعبية في مصر كشفت عن موجة من العداء للولايات المتحدة بسبب العلاقة الأمريكية طويلة الأمد مع نظام مبارك.

وحتى أيام مضت، بدا أن واشنطن تحولت مرة أخرى إلى دعمٍ غير مشروط للنظام الحاكم في مصر، وحذرت “هيومن رايتس فيرست” من أن مصر «تتجه إلى حالة من عدم الاستقرار» حيث تفتقر المعارضة إلى قيادة منظمة ومسؤولة وقد أثبتت الخيارات السلمية عدم فاعليتها. 

وفي أبريل ، شهدت «ميشيل دان» من مؤسسة كارنيجي أن «انتهاكات حقوق الإنسان والقمع السياسي الذي لم يسبق له مثيل والذي تمارسه الحكومة منذ عام 2013 يثير النيران بدلا من أن يخمدها». 

ويتفاقم تأثير القمع السياسي بفعل الأوضاع الاقتصادية المتردية، خاصة إذا اعتمدت الحكومة اقتراح البرلمان برفض توظيف أي شخص ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. 

وفي مجتمع تلعب فيه الحكومة دورا اقتصاديا ضخما، فإن ذلك سيترك منتقدي النظام يعانون من الفقر والاضطهاد، والنتيجة ستكون على وجه الخصوص أن الخصوم الشباب سيكونون أقل استعدادا لتقديم تنازلات وأكثر عرضة للجوء إلى العنف.

ورغم كل هذه التحذيرات، يواصل السيسي انتهاج سياسة القمع، وفي وقت سابق من هذا العام شنت الحكومة حربا على المجتمع المدني، وأغلقت المنظمات غير الحكومية التي رصدت انتهاكات الديكتاتورية، ووصل الحظر أيضا إلى المنظمات الغربية.

ومنذ عام 1948، دفعت واشنطن نحو 80 مليار دولار لمصر، وتبلغ قيمة المعونة حاليا 1.5 مليار دولار سنويا يذهب معظمها إلى الجيش، ومع ذلك، استخدم الجيش المصري، منذ سنوات، الأموال النقدية لشراء معدات عسكرية باهظة الثمن لمكافحة حروب غير موجودة, بدلا من مكافحة الإرهاب المتزايد. 

وقبل عامين وجد جهاز المحاسبة الحكومي أن وزارة الخارجية «لم تقم بتقييم نتائج المليارات من الدولارات من المساعدات الأمنية لمصر»، وأوضح أن «عدم وجود تقييم للمساعدات الأمنية لمصر يثير تساؤلات حول كيفية إسهام 1.3 مليار دولار من التمويل الأمريكي سنويا في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية».

وكان توم مالينوفسكي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون حقوق الإنسان في إدارة «أوباما»، قد شهد في أبريل بأنه «كانت وظيفتي التحدث مع الحكومات الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، ولا بد لي من القول إن اللقاءات مع الحكومة المصرية كانت من بين الأقل إنتاجية». وأضاف مالينوفسكي قائلا: «كل ما نحصل عليه هو غضب وإنكار واضح لجميع المشاكل واستنكار لقيام مسؤول أمريكي بطرح مثل هذه القضايا ومطالبات بالمزيد من الأموال».

لكن وزارة الخارجية صدمت الشهر الماضي المسؤولين والمراقبين في القاهرة وواشنطن بإلغاء ما يقرب من 96 مليون دولار كمساعدات وتعليق 195 مليون دولار أخرى. 

من الناحية العملية، هذه مجرد ضربة على المعصم، فالقاهرة ستحصل على 1.3 مليار دولار من المساعدات الأخرى من الولايات المتحدة وسوف تساعد كل من السعودية والإمارات في الحفاظ على نظام السيسي واقفا على قدميه.

ومع ذلك، فقد عادت حقوق الإنسان إلى قلب المناقشات بين الحكومتين، وقال مسؤول في وزارة الخارجية لصحيفة «واشنطن بوست»: «أردنا أن نبعث برسالة غير مسرورة لعدم إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان وقانون المنظمات غير الحكومية». 

 

حرب مع شعبه

لا تستطيع واشنطن أن تعيد تشكيل العالم، ولكن يجب أن تتقيد سياستها ببعض الاعتبارات الأخلاقية.  على الأقل، يجب على الولايات المتحدة أن ترفض احتضان النظم القمعية دون مبررات مقنعة، ولا يوجد أي مبرر لاحتضان نظام السيسي اليوم..  هكذا تقول “فوربس”. 

ولا تحتاج القاهرة إلى رشوة للتخلي عن الحرب مع إسرائيل، وربما يكون الإرهاب مشكلة متزايدة، ولكن الأموال والأسلحة الأمريكية ليست الحل.

وبعد قمة مايو في السعودية، التي حضرها ترامب والسيسي ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن «قوات أمن الدولة قامت باعتقال العشرات من أعضاء أحزاب المعارضة كما قامت بحظر أكثر من 435 موقعا إلكتروني ينتقد حكومة السيسي». 

وقد تم سجن المحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان بسبب تنظيم الاحتجاجات, والتحفظ على أموالهم. وقال المحامون والقضاة إن السلطة القضائية مكدسة بموظفين موالين للسيسي.

والأسوأ من ذلك أن النظام في حالة حرب مع الشعب الذي يحكمه. 

وقد دفع السيسي المعارضة تحت الأرض تاركا العنف كسبيل وحيد للمعارضة، واليوم تعرف الولايات المتحدة بدعمها لنظام وحشي يقتل بلا قانون, ويسجن بلا ضوابط, ويراقب بلا هوادة, ويثري نفسه بلا خجل.

وتبدو مسؤولية الديكتاتور واضحة بلا لبس. ولاحظت «ميشيل دان» أنه «عندما سيطر السيسي على مصر في عام 2013، لم يكن هناك تمرد ملحوظ قبل أن يقوم الجنرال باستهداف الآلاف في عمليات القتل خارج نطاق القانون، واحتجاز عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، ومئات حالات الاختفاء القسري». 

ومنذ ذلك الحين قتل المئات في هجمات إرهابية سنويا بما في ذلك التفجيرات الانتحارية واستهداف المسيحيين، ودخلت البلاد في حالة اقتصادية مزرية. مصر لديها كل هذه المشاكل الآن، جنبا إلى جنب مع الاستقطاب الاجتماعي القوي والقابلية الشديدة لانتشار التطرف.

إذا كان السيسي، مثل فرعون حديث، يستطيع البقاء في مثل هذا الوضع، فإن خفض الدعم الأمريكي لن يقوض نظامه أو ينهي انتهاكاته, ولكن يجب على واشنطن أن تأخذ جانب شعب مصر بدلا من حكامها،على المدى الطويل ربما يساعد ذلك في تعزيز الاستقرار والديمقراطية. 

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …