كيف تحول الغاز من أداة ضغط بيد مصر لسلاح تهددها به إسرائيل؟

من مفارقات تصدير الغاز بين مصر ودولة الاحتلال، أنه عندما بدأت القاهرة مد تل أبيب بالغاز في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2001، انبرى موالون للسلطة لتبرير ذلك بادعاء أنه سيكون “سلاحا” تسيطر به البلاد على المصانع الإسرائيلية.

لكن ما جرى هو أن الكيان الصهيوني استفاد من الغاز المصري دون أي ضرر حتى بعد قطعه عنها عقب ثورة يناير/ كانون الثاني 2011ن بحسب تقرير لموقع “الاستقلال”

ثم تحولت إلى دولة مصدرة للغاز بعد اكتشاف حقلي تمارا وليفيثان وأصبحت هي التي تصدر الغاز إلى مصر، التي نقص إنتاجها.

ولكنها هذه المرة استعملته لتتحكم في القرار المصري، وهو ما حدث مع قطعها الغاز عن مصر خلال العدوان على غزة وتعطيلها مصانع مصرية وقطع الكهرباء ساعتين يوميا عن المصريين.

وكانت قد قالت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية في 21 سبتمبر/ أيلول 2023، إن إسرائيل باتت هي التي تتحكم في مصر، فبعدما كانت تستورد الغاز منها انقلب الوضع الآن رأسا على عقب”

مشكلة هذا الانقلاب في الكفة، أن النظام في مصر فشل في استغلال والاستفادة من الغاز المصري سياسيا وحتى اقتصاديا، حين كان يصدره لإسرائيل.

بينما نجح الاحتلال بالمقابل في الاستفادة من الغاز في الضغط على القاهرة وربما خلق تبعية اقتصادية وسياسية، حيث بات نظام عبد الفتاح السيسي يعتمد على عوائد تصدير غاز إسرائيل لأوروبا عبر مصر.

وحين بدأت دولة الاحتلال تصدير الغاز لمصر والأردن، أكد وزير الطاقة الإسرائيلي وقتها يوفال شطاينتس لصحيفة “معاريف” في 8 فبراير/ شباط 2020 أن إسرائيل استفادت بقيمة 4 مليارات شيكل (1.15 مليار دولار)، من الصفقة.

وفي 7 فبراير/ شباط 2023، أكد يوسي آبا، مدير شركة “نيومد إنيرجي” صاحبة امتياز استخراج الغاز في الكيان الصهيوني أن السيسي لعب دورا في تحقيق عائدات ضخمة من الغاز الطبيعي للصندوق السيادي الإسرائيلي تقدر بـ 15 مليار دولار بتوقيعه اتفاق الغاز معها، بحسب وكالة “رويترز”

“عقوبات” الغاز

يمكن رصد عدة مواقف استغلت فيها دولة الاحتلال الغاز للضغط على مصر بشكل غير مباشر عبر حجج مختلفة.

قبل طوفان الأقصى بثلاثة أيام تفاخر وزير البترول المصري طارق الملا، في 4 أكتوبر، بأن اتفاق الغاز المصري الإسرائيلي أدى إلى زيادة كميات الغاز الواردة من تل أبيب إلى القاهرة بنحو 40 بالمائة، وذلك منذ يناير/ كانون الثاني 2021.

وبعد طوفان الأقصى بيومين، قطع الكيان الإسرائيلي الغاز عن مصر وقيل إن السبب الرسمي هو وقف العمل في حقل “تمارا” القريب من غزة خشية استهدافه من قبل حركة المقاومة الإسلامية “حماس”

لكن مصادر إعلامية وبترولية مصرية رجحت أن يكون السبب خلافات بين القاهرة وتل أبيب حول حرب غزة وفتح معبر رفح لخرق الحصار الإسرائيلي في بداية الحرب قبل أن يرضخ نظام السيسي للمطالب الصهيونية.

هذا القطع الإسرائيلي أثر على مصر اقتصاديا، كما أظهر أن الاحتلال نجح في استغلال سلاح الغاز، في ظل تناقص الإنتاج المصري واعتماد نظام السيسي على الكيان الصهيوني.

وقد أشار له مجلس الوزراء المصري في بيان بتاريخ 29 أكتوبر إلى أن واردات الغاز إلى مصر (من إسرائيل) انخفضت إلى “صفر” بعدما كانت 800 مليون قدم مكعب يوميا.

فبعدما كانت السلطات تعد المصريين بإنهاء انقطاع الكهرباء عن كل المنازل والمحال التجارية ساعة يوميا لنقص الغاز وعدم وجود دولارات لاستيراده، أوائل أكتوبر 2023، زادت قطعه ساعتين برغم دخول فصل الشتاء وتقلص الاستهلاك.

لم يقتصر أثر قطع دولة الاحتلال الغاز عن مصر على ذلك، بل كشفت وكالة “بلومبيرغ”، مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أن مصر بدأت في تقليص إمدادات الغاز الحيوية لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل شركات الأسمدة بنسبة 30 بالمائة.

وقالت الوكالة إن ذلك يعد التأثير الاقتصادي المباشر للحرب بين الاحتلال وحماس على مصر، التي تواجه أصلا انقطاعات في الكهرباء بسبب نقص الوقود.

وتبع هذا رفع نظام السيسي أسعار البنزين بأنواعه الثلاثة بنسبة 14 بالمئة تقريبا.

ومع أن القاهرة أعلنت استئناف الكيان الصهيوني ضخ الغاز إليها بنسبة ضئيلة منذ 2 نوفمبر، فقد لوحظ أن هذا جرى في أعقاب أزمات القصف الصهيوني المتكرر لسيناء وإيقاع 6 جنود وضباط مصابين في رفح، ما عُد محاولة لاسترضاء القاهرة.

كما واكب استئناف ضخ الغاز تدريجيا لمصر، رضوخ نظام السيسي لمطالب تل أبيب ممثلة في غلق معبر رفح وعدم فتحه إلا بإذن منها.

وكذلك رضوخه لأوامرها بتفتيش كل الشاحنات التي تدخل غزة، بذهابها مسافة 100 كم ذهابا وإيابا لمعبر نتسايا/العوجة ثم عودتها إلى معبر رفح.

أيضا قبل أزمة غزة، أعلنت دولة الاحتلال يوم 27 فبراير أنها ستؤجل جميع خطط تطوير صادرات الغاز إلى مصر، مدة ستة أشهر، حتى أبريل 2024 بدعوى وجود “خلل فني” في المشروع، لكنها أكدت استمرار الضخ باتجاه الأردن.

“أمر غريب”

وقد ألمح موقع “بيز بورتال” الاقتصادي الإسرائيلي المتخصص في أخبار الطاقة، أن إعلان تأجيل خطة تصدير الغاز عبر مصر بسبب خلل فني “أمر غريب ومثير للتساؤل”

وقال إن السبب الذي أعلنته تل أبيب للتأخير، وهو خلل في السفينة التي تمد خط الأنابيب بين أشدود وعسقلان، لا يبدو مقنعا خاصة أن الشركات الإسرائيلية ستستمر في تصدير الغاز عبر الأردن فلماذا أوقفته عن مصر فقط؟

ووفق الاتفاق بين مصر والكيان الصهيوني، يجرى ضخ الغاز من حقلي “تمار” و”ليفيثان” الإسرائيليين إلى مرفقي الإسالة المصريين في دمياط وإدكو على ساحل المتوسط، وبعد ذلك يتم شحن الغاز المسال في حاويات من موانئ مصرية إلى أوروبا.

ولوحظ أن مصر التزمت الصمت ولم تعقب على خبر تأجيل نقل الغاز الإسرائيلي إليها ستة أشهر، خاصة أن الضخ استمر بصورة عادية للأردن عبر الخط العربي وتوقف عبر الخط المصري الإسرائيلي.

وقد وصف المحلل السياسي الفلسطيني صالح النعامي تأجيل دولة الاحتلال مشروع زيادة ضخ الغاز إلى مصر ليتم تصديره من هناك إلى أوروبا لمدة ستة أشهر، بدعوى أن عطلا أصاب السفينة التي تمد الأنبوب بين أسدود وعسقلان، بأنه “غير مقنع”.

ذكر أن التبرير يبدو واهيا لأنه بالإمكان استبدال السفينة، كما أن المسافة بين عسقلان وأسدود قصيرة نسبيا “47 كلم”، والأمر لا يتطلب تأجيل المشروع لـ 6 أشهر.

ورجح أن الكيان الصهيوني إما أنه يضغط على نظام السيسي لسبب ما، أو يخشى تحولات في القاهرة قد تضر مشروعه لتصدير الغاز لأوروبا عبر مصر.

و”تبدو فزعة من تكرار سيناريو ثورة 2011 والمخاطرة بالاعتماد على علاقة مع نظام يعاني من انعدام استقرار واضح في تصدير غازها لأوروبا”.

وتعتمد مصر على واردات الغاز من الاحتلال لتلبية بعض الطلب المحلي، وكذلك لإعادة التصدير إلى أوروبا عبر منشآت الغاز الطبيعي المسال.

وفي مايو/أيار 2022، وافق وزراء الحكومة الإسرائيلية على خطة بناء خط أنابيب جنوب الأراضي المحتلة، يمتد مسافة 65 كيلومترا إلى الحدود مع مصر لنقل 6 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا، بهدف زيادة الصادرات للقاهرة.

وتبع هذا في يونيو 2022 توقيع مصر ودولة الاحتلال والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم ثلاثية في القاهرة لتصدير الغاز إلى أوروبا، في محاولة لإيجاد بدائل للوقود الروسي في ظل الحرب في أوكرانيا.

قصة الغاز في الاتجاهين

بدأت مصر تصدير الغاز لدولة الاحتلال في يناير 2001، حين أُعلن عن التوصل لاتفاق بين شركة الكهرباء الإسرائيلية المملوكة للحكومة (إليكتريك كورب) وبين شركة شرق البحر المتوسط للغاز (إي إم جي)، المملوكة للمخابرات المصرية.

نص الاتفاق على أن تمد الشركة المصرية نظيرتها الإسرائيلية بسبعة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يعادل أكثر من نصف احتياجها من الغاز، في عقد مدته عشر سنوات، وقُدرت قيمته بثلاثة مليارات دولار.

كان التصدير يتم عبر خط أنابيب عسقلان-العريش الذي عُرف بخط “حسين سالم”، والذي يمتد بطول 89 كيلومترا، من مدينة العريش المصرية وينتهي في مدينة عسقلان المحتلة، ويمكنه نقل حوالي 700 مليون متر مكعب من الغاز سنويا.

لاحقا، وفي عام 2005، تم توقيع “اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل”، التي تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي المصري لإسرائيلي لمدة 20 عاما، بثمن يتراوح بين 70 سنتا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية.

وكان سعر التكلفة حينئذ 2.65 دولار، أي أن مصر باعته بربع ثمنه الأصلي لدولة الاحتلال ما أثار غضب المعارضة المصرية التي تظاهرت ضد الاتفاق حينئذ.

وقدر المعارضون أن فرق السعر هذا يسبب خسارة قدرها تسعة ملايين دولار (حوالي خمسين مليون جنيه مصري آنذاك) يوميا، بسبب تباينه الشديد بين قيمته في العقد والسعر العالمي.

وزاد الغضب الشعبي أن مصر أعفت شركة الغاز الإسرائيلية، أيضا، ضريبيا من 2005 إلى 2008.

لكن الاتفاقية نُفذت بالفعل وجرى ضخ الغاز عبر خط العريش – عسقلان في فبراير/شباط عام 2008، وقُدر آنذاك أن مصر تمد دولة الاحتلال بحوالي 40 بالمئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.

وفي أبريل/ نيسان عام 2011، وجه رئيس الوزراء آنذاك، عصام شرف، بمراجعة كل عقود تصدير الغاز بما في ذلك التعاقد مع دولة الاحتلال، وبعدها بعام في أبريل/نيسان 2012، أعلنت الشركة المصرية القابضة للغاز إلغاء اتفاق تصدير الغاز لإسرائيل.

لكن بعد عام واحد من انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، الذي قاده السيسي، بدأ الحديث عن اتفاق جديد لتصدير الغاز بين مصر والكيان الصهيوني في أكتوبر 2014، لكنه هذه المرة كان الضخ في الاتجاه المعاكس.

شاهد أيضاً

إسرائيل: إصابة 17 ألف عسكري بأمراض نفسية بسبب حرب غزة

كشفت وزارة الحرب الإسرائيلية، الخميس، أن نحو 26 ألفا و200 عسكري من الجيش وقوات الأمن …