لا عجب من أمر الحق تعالى، فهو القاهر فوق عباده جميعا؛ مؤمنهم وكافرهم، ولكن العجب من زهو الباطل رغم علمه بالمصير، فالملحدون رغم قلة عددهم في الأرض لا ينكرون المصير الأول وهو الموت، وإن أنكروا البعث والنشور، ولو كانت عندهم عاطفة الكلاب مع علمهم بالمصير الذي لا تعلمه الكلاب لفكروا لحظة لا يتغولون فيها في الجرائم ضد غيرهم من البشر استئناسا بموعد ذلك المصير القريب، لكنهم لا يملكون والله أعلم جهاز عاطفة أصلا، بل يملكون غرائز الافتراس والافتراش والنهيق.
أما غير هؤلاء من بقية البشر وهم أغلبية، فربما يكون عندهم جهاز عاطفة أحسن حالا، أو جهاز تفكر أعلى نسبيا بسب علمهم المشوش بأن هناك مصير قريب وهو الموت حتما ومصير بعيد هو الحساب يقينا، حتى لو سيطر على بعضهم أنه حساب يسير لكونهم أطعموا جائعا وهذبوا بعض أخلاقهم وربما ركعوا وحجوا، لكنهم يظنون أن أفعالهم الهزيلة تلك أرضت من منحهم الحياة وأسرارها، فلن يعد يحاسبهم بها يوم الحساب!
لكن العجب الأشد ممن تيقن أن الله مطلع عليه وأنه قاهر فوقه وأنه يعطي ويمنع وأنه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمة ومع ذلك يتستر مثلي خلف الأعذار وبالأخص تسويف الفعل وتأجيل كلمة الحق في وجه الظالمين، ووامصيبتاه لو كان للكتاب حافظا ولعلم النبوية معلما.
لكن الله يأبي إلا أن يشهد علينا منا من نعرفه ونعرف نسبه وأصله وفصله وضعفه وفقره فيجعله لنا رمزا فلما تكاسلنا عن السير على ضربه يموت لكي يهز مشاعرنا وأحاسيسنا التي تعطلت بالتسويف وحب الدنيا وزخارفها.
فاليوم مات رمزا ما كان ليكون رمزا لولا الله، فهو من جماهير الناس وكل ما في جوانحه زيادة عن عامة الناس (كتاب الله) وما أدراك ما كتاب الله، وإن لم يكن من المفسرين ولا من علماء الشريعة الغراء، لكن لامست قلبه كلمات الله فتعلق بها فرفعته في عنان السماء في الدنيا، ونرجو من مولانا ومولاه أن يزيده بها رفعة في الأخرة، فأي ميتة شريفه هذه يا سيدى الإمام الرئيس الرمز المجدد “محمد مرسي” وأي قدر عظيم هذا الذي رفعك إلى هذا الموقف الجليل يغبطك عليه عامة المصلحين، بل وحسب ظني قد يغبطك عليه بعض النبيين كما حكى القرآن الكريم، فلم تتزحزح ولم تيأس، بل وقفت وقفة التلميذ النجيب في مدرسة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم الذي قال عنك وعن أمثالك ممن حول القرآن إلى علم بالحياة وبالممات (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) فعشت كأنك نبي وما أنت بني، فكنت حقا رمزا تتجلى فيه كلمات الرحمن : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).
أما الموت فقد علمناه، أما الغيب فقد حجب عنا، وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ومن ثم باب الاجتهاد فيمن يريد أن يكون رمزا بعدك يا سيدي الرئيس مفتوح، ولا على السالكين شيء إلا أن يطرقوا باب المعطي الوهاب وأنت يا ربنا ترفع من تشاء وتخفض من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء فلك وحدك الملك، فاللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وأكتبنا من الشاهدين ولا تحرمنا أن نكون على ضرب محمد صلى الله عليه وسلم صفيك وخليلك من السالكين.
الفقير إلي عونك، عبدك محمود.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات