من السذاجة أن نظن أن الغرب يمكنه أن يوافق على إجراء ديمقراطية حقيقية في بلادنا. إن الغرب يتعامل مع الديمقراطية كما تعامل المشركون العرب مع أصنامهم المصنوعة من العجوة، يعبدونها ويقدسونها ويقدمون لها القرابين ويخاصمون من خاصمها، لكنهم يأكلونها إذا جاعوا ولم يجدوا غيرها .
حينما يشجع الغرب الديمقراطية في بلادنا إنما يقصد بها:
– إما ديمقراطية شكلية مثل التي كان يمارسها أنور السادات وحسني مبارك، تقام فيها الموالد والاحتفالات، ويتنافس فيها المرشحون للفوز بمقاعد البرلمان، ولعضو البرلمان أن يزعق من أجل ماسورة صرف صحي، وأن يهاجم الحكومة لتقصيرها في رصف طريق من الطرق، لكنه بالتأكيد لا يجرؤ على محاسبة الرئيس الذي يحصل على امتيازات لا حصر لها لنفسه ولأولاده وأحفاده وأصفيائه وخلصائه،
ولا يجرؤ على الوقوف أمام سماسرة الجيش الذين تحولوا إلى مافيا مسلحة تفرض إرادتها ورغباتها وأطماعها التي لا تشبع ولا تنتهي بقوة السلاح، وتمتص خيرات البلاد دون مقابل أو مردود يعود على الشعب وعلى البلاد،
أو محاكمة الحيتان الكبيرة التي تعطل كل ما من شأنه نهضة البلاد وامتلاكها لحريتها وإرادتها وثرواتها وقرارها بعيدا عن هيمنة الغرب،
أو الحديث عن النفوذ الغربي الظاهر والخفي التي يتحكم في كثير من القرارات والقوانين وفي صياغة عقول النخبة بما يتفق مع توجهاته وأهدافه.
– وإما ديمقراطية نظرية يعاير بها عملاءَه من الحكام بقصد مزيد من ابتزازهم ومزيد من الضغط عليهم لتحقيق مطالب إسرائيل التي لا يمكن أن يرضى بها مسلم عربي أو غير عربي عنده ذرة من كرامة أو شرف أو دين أو حب لوطنه وتراب أرضه.
وإن كان هناك من لا يرى ماقلت، فقد ظهر له ذلك جليا من خلال الانقلاب الفاشل في تركيا.
لقد خطت تركيا خطوات كبيرة في الالتزام بقواعد الديمقراطية كما وردت في كتب الغرب وأبحاثه ودراساته ومقالات مفكريه، وترتب عليها فوز حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان, واستطاع الحزب من خلال زعمائه وأعضائه تحقيق الكثير مما يحلم به الشعب التركي من حرية وكرامة وإنسانية ونهضة اقتصادية، واكتفاء ذاتي في الغذاء، وخطوات كبيرة في الاكتفاء الذاتي في السلاح بجميع أنواعه، ومد يده للأكراد الذين اضطهدتهم الدولة التركية باسم الوطنية والقومية، وحقق معهم خطوات هامة تنهي الصراع الدامي بينهم وبين الدولة، وبدلا من فرحة الغرب بهذه الإنجازات الضخمة، رأيناه يدبر بليل لإسقاط هذه الديمقراطية بانقلاب عسكري طالما ندد الغرب به علنا، وخطط له وموله وساعد في تنفيذه سرا.
والعجيب بعد أن فشل الانقلاب رأينا الغرب يتباكى بحرقة شديدة خوفا من انتهاك أردوغان للديمقراطية وحقوق الإنسان في تعامله مع الانقلابيين، رأيناه يتعاون بقوة مع انقلاب السيسي ويتغاضى عن جرائمه، ورأيناه يصف أردوغان بالدكتاتور.
إن الغرب حينما يقدم لنا الديمقراطية، لايقدمها بغرض أن نطبقها في بلادنا، ولكن يقدمها لنا لمجرد الفرجة والاندهاش والتعجب والتصفيق، وبعد ذلك نعود إلى أدراجنا حيث الظلم والاستبداد والقهر والابتزاز والنهب.
وكما قلت إنه من السذاجة أن نصدق الغرب في حرصه على تطبيق الديمقراطية في بلادنا، كذلك من السذاجة أن نظن أن ذلك قدر مقدور لا مفر منه ولا مهرب.
إن أزمتنا هي في فقدنا للثقة في أنفسنا،
وفي فقدنا امتلاك ناصية أمرنا بيدنا،
وفي حرصنا على تفاهات الأمور وانشغالنا عنها بعظائمها، وفي حرصنا الزائد على حياةٍ مهما كانت ذليلة ومهما كانت مهينة،
انظر إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما شَخَّصَ لنا هذا الداء، وسجل لنا الدواء حيث روى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بسند صحيح أنه قال: ” يوشك الأممُ أن تتداعى عليكم، كما تتداعى الآكلةُ إلى قصعتِها، فقال قائلٌ : ومن قلةٍ بنا نحن يومئذٍ؟! قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيلِ، ولينزعنَّ اللهُ من صدورِ عدوكم المهابةَ منكم، وليَقذفنَّ في قلوبِكم الوهنَ، قال قائل: يا رسول اللهِ ! وما الوهنُ؟ ! قال: حبُّ الدنيا، وكراهيةُ الموتِ” .
وما أعظم مقولة أبي بكرٍ الصِدِّيقِ رضي الله عنه مخاطبا سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه: ” احرص على الموت تُوْهَبُ لك الحياة ” ،
وما أعظم قول خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو على فراش الموت: ” لقد شهدت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف, أو طعنة رمح, أو رمية سهم, ثم هاأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات