كارثة مجتمعية كبرى..
أن يختلف أحدنا مع الآخر في رأي أو وجهة نظر فيعامله على أنه عدو وخصم.
أنا لا أبالغ؛ فحقيقة الأمر أنه يعامله هكذا [عدو وخصم].
ولك أن تتخيل بعد ذلك ما تشاء: سب وإهانة وإفشاء سر وشهادة زور وظلم حتى ليصل الأمر أحيانًا إلى تلفيق التهم الباطلة وإبلاغ الشرطة عن هذا الخصم العدو المختلف في الرأي معه.
ولا أدري ما المشكلة أن أختلف مع ابني على أسلوب التعامل مع مشكلة.. أنا أراه أسلوبًا مناسبًا وهو يراه أسلوبًا متعنتًا.
وما المشكلة أن أختلف مع صاحب العمل على طريقة الإدارة وأسلوب التعامل مع مشكلات الموظفين.. أنا أراه أسلوبًا خاليًا من مبادئ الإدارة الصحيحة وهو يراه نموذجًا أمثل.
وما المشكلة أن نختلف على منصب سياسي كمنصب الرئيس.. هذا يراه فاشلاً وذاك يراه أفضل من حكم مصر.
ومن زعم أن الناس يجب أن يتفقوا على رأي واحد؟
إن هذا الأمر ضرب من الخيال يستحيل تحقيقه, ولا غرابة في ذلك. إنما الغريب حقًا هو سوء التعامل مع هذا الخلاف.
نهانا ربنا أن نسب المختلفين معنا في العقيدة فقال: {ولا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} وليس أروع من أن الخبيرَ الذي أرشدَ النبيَ وصاحبه إلى طريق الهجرة وحفظ سرهما وضحى على إثر ذلك بثروة قريش الضخمة والمقدرة بمائة من الإبل في مقابل دراهم معدودات ما هو إلا ابن أريقط المشرك. نَعم المشرك المختلف في العقيدة مع هذين الرجلين لكنه لم يعتبرهما عدوين ولم يعتبراه عدوًا لهما. والرجل لم يتخل عن مبادئه وكان أمينًا ولم يبع ذمته بحفنة من المال لمجرد اختلاف في الرأي.
إن التعامل مع المختلف معك في الرأي على أنه عدو داءٌ ينخر كالسوس في المجتمع فيصيب التواصل بين الناس بالعطب ويهدم العلاقات بين أقرب الناس حتى إنك لتجد إضمارًا للضغينة بين أفراد البيت الواحد, وبين طلاب الفصل الواحد, وبين موظفي القسم الواحد.
ولعل القارئ الكريم يتفق معي في أنه لا غضاضة عند الاختلاف من عرض كل طرفٍ لوجهة نظره بالدليل والشواهد في هدوء واحترام مع التزام الطرف الآخر بالإنصات دون مقاطعة فإن تبين له خطأ وجهة نظره وصواب الرأي الآخر فهو خير وشجاعة ورجولة وإن تعذر ذلك فليحتفظ كل طرف برأيه دونما سخرية أو تجريح.. هكذا ببساطة!
كان في الرعيل الأول من المسلمين من اختلف مع النبي الذي يأتيه الخبر من السماء ورغم ذلك لم نسمع من النبي شِق كلمة تؤذي المختلفين معه بل لم تنزل آية في القرآن تحمل لومًا أو عتابًا لهؤلاء واقرأوا في السيرة النبوية أمر الأسرى ببدر أو الخروج لقتال المشركين في أحد وما حدث في الحديبية وفي غيرها مما كان موضع اختلاف في الرأي.
إن الاستبداد لا يُولد إلا عند ازدراء الرأي الآخر.
والتسلط لا يترعرع إلا مع أحادية التفكير وإزاحة الآخر.
وإلا فماذا نعلم أبناءنا عندما تكون حياتنا معهم مزيجًا من القهر والتسلط والحرمان من التعبير عن آرائهم؟
هل تتحسن علاقتنا بأبنائنا ونحن نستخدم معهم قاموسًا يحتوي على تعبيرات في مثل:
اخرس – لم يسألك أحد عن رأيك – إياك أن تتدخل في الحوار ….
أيها الأب الفاضل, إن بعض أبنائك يختلفون معك.
أيها المعلم المحترم, إن بعض طلاب فصلك يختلفون معك.
أيها المدير الفذ, إن بعض موظفيك يختلفون معك.
أيها الرئيس المبجل, إن بعض شعبك يختلفون معك.
يا هؤلاء جميعًا, لا تنزعجوا من الاختلاف معكم.. لا مشكلة في ذلك على الإطلاق, إنما المشكلة تكمن في طريقة تلقيكم لذلك الأمر ثم تعاملكم معه.
إن في بلادنا كثيرًا من صور التعصب للرأي منها ما نراه بين مشجعي الكرة ومنها ما نراه بين الشيوخ حول الآراء الفقهية ومنها ما نراه في المجال السياسي, ولو أمعنت النظر ستجد في كثير منها أن السطحية وغياب الوعي والجهل بالأسس العلمية للاستدلال الصحيح والكبر المانع من الاعتراف بالحق هو سيد الموقف فقد يكون فريق الكرة في أسوأ حالاته, وقد يكون للرأي الفقهي ما هو أرجح منه وأقوى حجة, وقد تؤكد المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فشل الرئيس والحزب والحكومة لكن الكبر يمنع من الاعتراف بالحق فيخرج جيلٌ في المجتمع لا يعرف إلا الجدل والخصومة والعداوة لمن يخالفه الرأي وهو أمر بالغ الخطورة.
أيها القارئ الكريم:
الخطوة الأولى نحو التغيير للأفضل أن تتوقع أن يختلف أحدٌ معك وإن بدا لك أن رأيك ذو وجاهة.
الخطوة الثانية أن تستمع للرأي المعارض باهتمام واحترام.
الخطوة الأخيرة أن تتبنى الرأي الآخر إن كان الأجدر والأفضل, أو تعتذر بلباقة إن لم يكن الأمر كذلك لكن بعد أن تتجرد من الهوى وتتحلى بالشجاعة.
بهذا نبني علاقات إنسانية صحيحة.
وبهذا نبني مجتمعنا على أسس سليمة سوية.
وبهذا يقتدي أبناؤنا بنا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات