في سيناء التي تعيش أزمة يعرف الناس منها فقط أخبار القتل والتفجير, انحصرت الرواية التي تُنقل عن أهلها بين طرفين متباينين تماما، هذان الطرفان وللأسف الشديد يصران على تصدير رواية واحدة عن سيناء فقط هي رواية الاٍرهاب وصناعته ومحاربته؛ ففي الوقت الذي تتصدر أخبار السلطات الرسمية أعمالُ القصف والتفجير والقبض على التكفيريين وقتل التكفيريين ودحرهم, وكأن طائرات النظام لا تسقط قنابلها إلا على التكفيريين حتى أن المتحدث العسكري يستطيع أن يذكر عدد القتلى والمصابين قبل أن تطلع شمس ليالي القصف الجوي، تصر “الولاية”؛ أي تنظيم ولاية سيناء, على أن تكون كل الصورة التي تخرج من طرفها هي قتل الجنود واغتنام الأسلحة أو تنفيذ عمليات ذبح بشعة؛ أي أنها صورة لا يمكن توصيفها إلا بأنها عمل إرهابي وحسب، باستثناء بعض الأخبار والصور التي تخرج بعيدا عن هذين المصدرين على قلتها فهي رمزية وقليلة ولا تنقل كامل الصورة من على الأرض.
في هذا المشهد تتوارى المأساة الإنسانية على الأرض, وتغيب معاناة الناس عن الإعلام, وتغيب مشاهد الرعب والدمار والخراب الذي حل بالبلاد والعباد عن العالم لتكون مأساة سيناء مأساة مخفية لا يعلم بها إلا من يكتوي بنيرانها على الأرض, وتحرم حتى من حق الصراخ والاستغاثة.
في هذا المشهد تم تغييب أي دور لعمل إنساني أو إغاثي أو حقوقي؛ فكما هو محرّم على الصحفيين دخول المناطق المحاصرة والمستهدفة, يُحرّم ذلك على الجميع بما فيهم أعضاء النيابة العامة أو المنظمات الحقوقية.
وليس أبلغ من ذلك؛ فشل البرلمان القائم في تنفيذ زيارة للمحافظة لتفقد الحالة حتى لو اكتفت هذه الزيارة بمدينة العريش!
في هذه الأجواء لك أن تتصور كيف يفكر المواطن البسيط وكيف يسيّر أموره, وإلى أي درجة يعاني.
السلطات إذا قتلته صنفته إرهابيا تكفيريا وإذا قُتل على كمين أمام شهود وتحدث عنه الناس في وضعية لا يمكن تبريرها, لم تعرْ السلطات ذلك أدنى اهتمام, بل لا يفتح محضر تحقيق في وفاته وكأن موته أمر لا يستحق أن تشغل السلطات وقتها به, فلا وقت للمناقشة والبحث والتحقيق في مواضيع من قبل قتل مواطن أو أكثر، وإذا اعتقلته ولم تكن عنده معلومات تفصيلية أو مفيدة, يتم تعذيبه حتى الموت، وإن كانت عنده معلومات تمت تصفيته، والمحاكمات عسكرية، والخدمات مقطوعة بشكل مستمر أشبه بالعقوبات الجماعية.
هذه السلطات ذاتها ترد على محاولة المسلحين منع وصول الأغذية إلى كمائنها بحصار شامل للمنطقة ومنع مرور الأغذية إلى مدينتي الشيخ زويد ورفح، وإذا أجبرت السلطات المواطن البسيط على حمل أغذية على سيارته الخاصة إلى معسكراتها وكمائنها صنفته “الولاية” على أنه عميل وجاسوس واستهدفته بالذبح بالسكين، وإذا تواجد بالقرب من معسكرات الجيش فهو عميل مستهدف من “الولاية”, وإذا اعتزلهم وابتعد وانصرف إلى شأنه فهو موالٍ للولاية مستهدفٌ وغير وطني، كل هذا في حالة إذا عجز هذا المواطن عن المغادرة لضيق ذات اليد واضطرته ظروفه أن يبقى هناك, وأغلب المقيمين في منطقتي رفح والشيخ زويد الآن من هذه الفئة.
ولا ينفي ذلك وجود عدد آخر قرر أن لا يغادر مهما كان الثمن لإدراكه أبعاد المؤامرة على هذه البقعة من سيناء،
كيف يحلم هذا الإنسان وكيف يفكر وماذا يتمنى في غده إذا سيطرت القوات؟ فهو يرى التعذيب والإذلال وعدم احترام القانون والتخوين والإهانة، وإذا سيطرت “الولاية” فشر غائبٍ يُنتظر, إذ ستجتمع في المنطقة جيوش الأرض, وستقصف كل شبر, وسيوفر ذلك للنظام مبررات أكثر, وقد يرى براميل النابالم تسقط على رأسة يباركها العالم الحر وينشر أخبارها، وليس في الأفق بديل ثالث للآن, وهكذا فإن كل الخيارات أسوأ من بعضها البعض, ويبزغ في الأفق خيار التدخل الدولي أو إعادة الاحتلال، وهذه كلها خيارات بعضها أسوأ من البعض الآخر حتى يكون النداء المتداول الآن “مالنا غيرك ياالله”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات