44 سفارة لتركيا في القارة السمراء .. لماذا؟

كشف سفير تركيا لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي؛ فاتح أولوصوي، أمس الإثنين، عن اعتزام بلاده تعزيز وجودها في القارة السمراء.

وقال أولوصوي في محاضرة ألقاها بقسم العلوم السياسية والعلاقات الخارجية بجامعة أديس أبابا، إن بلاده شريك مهم للقارة الأفريقية, مضيفًا أن تركيا ستفتتح 5 سفارات في كل من بورندي، وأفريقيا الوسطى، وليبيريا، وسيراليون، وغينيا الاستوائية، ليرتفع بذلك عدد السفارات التركية في أفريقيا إلى 44 سفارة.

وتطرق أولوصوي إلى الشراكة القوية التي تربط تركيا والاتحاد الأفريقي، لافتا إلى أن أنقرة تقدم دعما لمختلف الأنشطة التي يجريها الاتحاد، خاصة المتعلقة بالسلم والأمن والأنشطة الإنسانية.

وبدأت تركيا سياسة الانفتاح على القارة الأفريقية عام 1998، واكتسبت زخما مع إعلان الاتحاد الأفريقي تركيا شريكا استراتيجيا عام 2008، إلى جانب عقد قمة التعاون التركي الأفريقي في العام نفسه بمدينة إسطنبول، لتدخل تركيا عام 2013 كلاعب أساسي في سياسة الشراكة الأفريقية.

وتعتمد سياسة الانفتاح التركية على أفريقيا، على مبدأ «الشراكة المتساوية والمصلحة المتبادلة».

ونجحت هذه السياسة في تحقيق تقدم سريع في الكثير من المجالات، ومنها حجم التجارة وآليات الحوار السياسي والأنشطة التربوية والاستثمارات الاقتصادية.

كما تعد تركيا ثالث دولة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية للقارة السمراء بعد الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تجاوز حجم مساعداتها 800 مليون دولار منذ العام 2012.

من بوابة الصومال

 علاقة الصومال بتركيا تعود لما تحظى به تلك الدولة التي تعاني من حروب أهلية منذ التسعينيات، من موقع استراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وكونها ممرا رئيسا للطاقة والتجارة الدولية وكذلك تجاور الصومال إثيوبيا الحبيسة ذات الأهمية الكبيرة خاصة فيما يتعلق بالمياه ومنابع نهر النيل ولهذا اهتمت تركيا كثيرا بالصومال حيث كان أردوغان أول رئيس وزراء تركي يزور الصومال خلال عقدين وكان ذلك في 2011 وعاد ليزورها في يناير 2015.

وستشرف قوات تركية على تدريب الجيش الصومالي وقوات أخرى من عدة دول أفريقية، في القاعدة العسكرية التركية الجديدة التي كلف إنشاؤها قرابة خمسين مليون دولار في مساحة 400 دونم، وتضم ثلاثة مدارس عسكرية.

ومؤخرا أعلن الرئيس الصومالي، عبر حسابه على «تويتر» أن القاعدة العسكرية تعد «أكبر قاعدة عسكرية تركية في العالم شبه جاهزة، وقريباً سيكون الجيش الصومالي الأقوى في المنطقة من جديد».

وشرعت تركيا في بناء القاعدة العسكرية في مارس 2015؛ بعد أن تم الاتفاق عليها خلال زيارة قام بها أردوغان إلى الصومال.

ووفقًا لتصريحات سابقة للرئاسة التركية، فإن القاعدة العسكرية ستوفر الخدمات التدريبية لما يقرب من 10 آلاف و500 جندي صومالي، وستضم200 جندي تركي يتولون الفعاليات التدريبة وأنشطة الأمن الخاصة بالقاعدة.

وبهذه القاعدة، تُصبح تركيا الدولة الخامسة بين الدول التي لها قواعد عسكرية في القارة السوداء، بعد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان.

ووفق مراقبين، فإن هناك دوافع عدة للتواجد التركي في الصومال أبرزها مزاحمة النفوذ الإيراني المتزايد هناك عبر ستار الأنشطة الخيرية والثقافية، فضلاً عن إدراك أنقرة للأهمية الاستراتيجية لمقديشو المتأتية من موقعها الجغرافي.

كانت صحيفة «يني شفق» قالت، في تقرير سابق، إن سبب إقدام تركيا على بناء هذه القواعد العسكرية الخارجية وإرسال حملات عسكرية يعود إلى التطور الملموس الذي شهده قطاع الصناعات العسكرية التركي والذي يحتاج إلى أسواق لترويجها، فضلا عن سعي تركيا إلى إظهار نفسها على أنها دولة إقليمية قوية تستطيع لعب دور مهم في تدريب قوات دور الجوار والإقليم.

وللقاعدة أهداف أخرى أيضا، منها رغبة تركيا في حماية مصالحها الاقتصادية في أفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة التركية الأفريقية نحو 20 مليار دولار عام 2015، ومن المخطط أن يصل إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2023، كما بلغ حجم استثماراتها المباشرة في إفريقيا 6 مليارات دولار بنهاية 2014، منها 100 مليون دولار في الصومال.

وبحسب دراسة لمركز «المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة»، فقد أثار الإعلان التركي عن القاعدة العسكرية في الصومال كثيرا من التساؤلات بشأن أبعاد الدور التركي في أفريقيا بوجه عام، وفي الصومال بصفة خاصة، والأهداف المتوخاة من إنشاء هذه القاعدة، والموقف الصومالي منها، وأثر ذلك على المصالح الوطنية للقوى الدولية والإقليمية الأخرى.

ووفق الدراسة، فإنه مع وصول حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة في تركيا عام 2002 تبنى الحزب خطةً للانفتاح على القارة الأفريقية، بعد سلسلة من الإخفاقات في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وكان الحزب يستهدف من ذلك البحث عن دور فاعل على المستويين الإقليمي والدولي، والاستفادة من مميزات السوق الأفريقية الواسعة، واكتساب التأييد الأفريقي للقضايا التركية في المحافل الدولية، وموازنة أدوار القوى الإقليمية في أفريقيا.

في هذا السياق، أعدت تركيا استراتيجية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول الإفريقية عام 2003، وأعلنت عام 2005 كعام لأفريقيا في تركيا، وهو نفس العام الذي حصلت فيه أنقرة على صفة مراقب بالاتحاد الأفريقي، قبل أن تحصل على صفة الشريك الاستراتيجي للاتحاد في يناير 2008، كما حصلت أيضًا على عضوية بنك التنمية الأفريقي في مايو من العام ذاته.

 

عوامل التقارب التركي الصومالي

وتحظى الصومال بأولوية خاصة في إطار الاستراتيجية التركية تجاه دول أفريقيا، ويعود ذلك إلى عدد من العوامل لعل أهمها، وفق ذات الدراسة، رغبة تركيا في تسويق الصورة القومية لها كدولة قائدة للعالم الإسلامي انطلاقًا من الصومال، من خلال المساهمة في تسوية الصراع السياسي فيها، وإقرار الأمن، وتوفير مواد الإغاثة الإنسانية.

ومن بين العوامل، المقدرات القومية للصومال، ممثلة في موقعها الاستراتيجي بالقرن الإفريقي، فهي تشرف على خليج عدن، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يعد واحدًا من أهم طرق التجارة العالمية، كما تؤكد التقارير وجود مخزون واعد من النفط والغاز الطبيعي في الصومال.

وهنا تظهر أيضا الروابط الدينية والتاريخية بين تركيا والصومال، منذ دخول العثمانيين مقديشيو في القرن السادس عشر، في عهد السلطان سليمان القانوني، لإنقاذها من حملات البرتغاليين.

 

أشكال عدة للتواجد التركي بالصومال

التواجد التركي في الصومال له أشكال عدة ولا يقتصر على القاعدة العسكرية فقط، حيث تقوم الحكومة التركية عبر مؤسساتها الرسمية مثل «وكالة التعاون والتنسيق» (تيكا)، بتنفيذ مشاريع تطويرية في العديد من المجالات بالصومال.

كما أخذت أنقرة على عاتقها المساهمة الفاعلة في تسوية الصراع الدائر هناك، وإعادة توحيد شطري الصومال، برعاية المحادثات بين الحكومة في مقديشيو، والسلطات فيما يعرف بجمهورية أرض الصومال، والإدارات الإقليمية في بونت لاند وجوبا لاند وغيرهما.

في هذا الإطار، استضافت تركيا «مؤتمر إسطنبول» بشأن الصومال، برعاية الأمم المتحدة في مايو 2010، والذي تمخض عن صدور إعلان إسطنبول كخارطة طريق لتسوية الصراع الصومالي، وهو ما أفضى إلى صياغة دستور للبلاد، وانتخاب البرلمان، الذي انتخب بدوره «حسن شيخ محمود» كأول رئيس غير انتقالي للصومال منذ عام 1991، كما استضافت إسطنبول المؤتمر الصومالي الثاني عام 2012.

وفي الوقت الذي ظلت فيه غالبية الدول تعمل من خارج الصومال لدواعٍ أمنية، بما فيها الولايات المتحدة، فإن لتركيا أكبر سفارة أجنبية في مقديشيو، كما تعتبر أنقرة أبرز الداعمين للحكومة الصومالية، حيث تقدم لها 4,5 مليون دولار شهريًّا، وهي الدولة الأولى في مجال إعادة الإعمار، وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، بما فيها المقر الجديد للبرلمان، وميناء مقديشيو، والمستشفى الصومالي-التركي الذي افتتحه «أردوغان» في الخامس والعشرين من يناير 2015، بالإضافة للوحدات السكنية، وشبكات الطرق وخطوط الاتصال، حيث يوجد خط جوي مباشر بين أنقرة ومقديشيو.

وتتحمل تركيا أيضًا الدور الأساسي في التعليم بالصومال، باستضافة أكثر من 15 ألف صومالي للدراسة بالجامعات التركية، وإنشاء المدارس التركية بالصومال. كما تمارس دورًا فاعلا في دعم اللاجئين والنازحين، وتوفير مواد الإغاثة الإنسانية، عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، والهلال الأحمر، وهيئة الإغاثة.

وإجمالا فإن الصومال تتلقى نحو ثلث المساعدات الإنسانية التي تقدمها تركيا للدول الأفريقية.

وقد تجلى الدور الإنساني لتركيا في الصومال خلال أزمة المجاعة التي ضربت البلاد منذ عام 2011؛ إذ تم تنظيم حملات شعبية واسعة النطاق في تركيا لجمع الأموال لصالح منكوبي المجاعة بالصومال، وكان أردوغان؛ رئيس الوزراء آنذاك, المسؤول الأجنبي الوحيد على هذا المستوى الذي قام بزيارة الصومال خلال الأزمة، ولعل هذا هو ما جذب أنظار العالم مرة أخرى للقضية الصومالية، كما زار الصومال بعد توليه الرئاسة في يناير 2015.

وفي المقابل هناك تناغم صومالي مع السياسة التركية، ففي أعقاب المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في يوليو 2016، باشرت السلطات الصومالية إغلاق المدارس التابعة لمنظمة «فتح الله جولن» في البلاد وطرد موظفي مؤسساتها.

وفي هذا السياق لا يمكن إغفال مساعي بعض الدول الإقليمية للتواجد بشكل كبير في الصومال، وخاصة الإمارات، ومؤخرا كشفت مصادر مطلعة عن مساعٍ إماراتية لشراء الرئيس «فرماجو» بعدما نجح في اعتلاء كرسي الرئاسة في فبراير الماضي رغما عن إرادة أبوظبي.

مصادر سياسية من أوساط الحكم في مقديشو وأبوظبي، أوضحت أن حكام الإمارات، وبصفة خاصة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، كانوا يفضلون استمرار الرئيس السابق «حسن شيخ محمود» في الحكم؛ خاصة أن الأخير منحهم، إبان حكمه، نفوذا كبيرا في البلاد تمثل بصورة أساسية في عقود لاستغلال وإدارة عدد من موانئ البلاد، التي تتمتع بموقع استراتيجي هام لحركة التجارة العالمية.

وذكرت المصادر أن حكام الإمارات استغلوا المال السياسي في مساعيهم لإبقاء «شيخ محمود» في سدة الحكم خلال الانتخابات التي جرت في 8 فبراير الماضي؛ حيث دفعوا أموالاً طائلة لزعماء قبائل وسياسيين تجاوزت 50 مليون دولار، من أجل استمالتهم لصالح مرشحهم المفضل.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …