في هذه الأيام المباركة التي تتنفس فيها سوريا الحرة هواء الحرية لأول مرة منذ عقود، وترقص شوارع دمشق وحلب وحمص وإدلب على إيقاع واحد: «الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده»، أراني أبكي وأضحك في آنٍ، أبكي على ما فات، وأضحك لما هو آت.
لأن التاريخ، يا أحبابي، لا يكرر نفسه عبثاً، بل يعلّمنا درساً عظيماً: إن الله سبحانه إذا أراد أن يُحيي أمة، أحياها من أشد لحظات موتها، وإذا أراد أن يرفع راية، رفعها من تحت الأنقاض.
تأملوا معي:في عام 1982م، وفي الشهر نفسه الذي كانت فيه دبابات حافظ الأسد تسحق مدينة حماة، وتُهدم البيوت على رؤوس أهلها، وتُغتصب الحرمات، ويُقتل في أيام معدودة ما بين ثلاثين وأربعين ألف نفس بريئة… في تلك الأيام السوداء بالذات، ولد طفلٌ في أطراف الشام اسمه أحمد حسين الشرع (أبو محمد الجولاني).
اليوم يقف هذا الطفل رجلاً، يرفع راية التوحيد في قصر المهاجرين، ويعلن أن سوريا قد تحررت من عصابة أل الأسد الطائفية.
فسبحان من كتب النصر في مهد الدم!وقبل ذلك بقرون…
في سنة 656هـ، وفي العام الذي كان هولاكو يسبي نساء بغداد ويحرق مكتبتها ويُلقي كتب العلم في دجلة حتى اسودّ ماؤها من مداد العلماء، وكان المسلمون يبكون سقوط عاصمة خلافتهم… في ذلك اليوم بالذات ولد في قرية تركية نائية طفلٌ اسمه عثمان بن أرطغرل.
لم يكن أحد يعلم أن هذا اليتيم الفقير سيؤسس دولة تمتد من أسوار فيينا إلى أبواب مكة، وتحمل راية الإسلام ستمائة سنة أخرى.
إنها سنة الله:
كلما بلغ اليأس بالأمة مبلغَه، جاء الفرج من حيث لا تحتسب.
ولذلك أبشركم، وأقسم بالذي رفع السماء بلا عمد:
إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لن تموت، ولن تُهزم، ولو اجتمع عليها من في الأرض جميعاً.
أنتم ترون اليوم غزة تُدكّ، وبيوتها تُهدم على رؤوس أطفالها، وترون المسجد الأقصى يُدنس، وترون الأمة تتفرج أو تتآمر أو تخذل…
لكنني أبشركم أن في غزة اليوم يولد صلاح الدين جديد، وفي دمشق يترعرع سيف الله ثانٍ، وفي القدس يُرضَع طفلٌ سيرفع راية «لا إله إلا الله» فوق أسوارها مرة أخرى.
قد يكون اليوم في حضن أم ثكلى في مخيم اليرموك، أو في كوخ من الصفيح في عين الحلوة، أو تحت أنقاض بيت في جباليا… طفلٌ لا يعرفه أحد، لكن الله يعرفه، وقد اختاره لأمر عظيم.
قد يكون في كابول، أو في الرباط، أو في جاكرتا، أو في لاهور، أو حتى في أحياء المهاجرين في برلين وباريس… شابٌ يقرأ القرآن وقلبه يغلي على دينه، لا يعلم أحد أن الله سيكتب على يديه نصر هذه الأمة.
إن الذي أخرج أحمد الشرع من تحت رماد حماة 1982، قادر أن يخرج لنا من تحت رماد غزة 2025 رجلاً يُعيد للأمة كرامتها، ويجمع شملها، ويرفع رايتها.
فلا تيأسوا.
اليأس صنو الكفر، والقنوط معصية.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [ يوسف: 87].
وقال: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[ الروم: 6].
إننا اليوم في أشد لحظات الاستيأس التي مرت بالأمة منذ قرون…
وهذا بالضبط هو موعد الفرج.
فاستبشروا، واستعدوا، وارفعوا رؤوسكم، وأدّبوا أبناءكم على العزة، وعلّموهم أن هذه الأمة لا تموت.
اليوم سقطت دولة الأسد، وغداً تسقط دولة الصهيونية بإذن الله، وبعد غد نرى راية التوحيد ترفرف على القدس، ثم على روما كما بشرنا الصادق المصدوق- صلي الله عليه وسلم-.
إنه وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.
فيا أمة المليارين قومي، فالشمس تشرق من جديد، والفجر آتٍ لا محالة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات