قال مصدر دبلوماسي أوروبي لـموقع «مدى مصر» 15 يوليو 2025 إن التحرك الأمريكي في ملف السد لا يبدو منفصلًا عن سياق أوسع من المطالب الموجهة إلى القاهرة، خصوصًا في ضوء التطورات الجارية في غزة.
وأوضح المصدر، أن واشنطن ترغب في أن تُبدي القاهرة «تفهمًا» لمتطلبات التعامل مع مستقبل القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وما يستلزمه ذلك من تنسيق أمني بين مصر وإسرائيل، وربما قبول وجود فلسطيني «بشكل ما» لفترة مؤقتة داخل مصر، إلى حين ترتيب أوضاع المغادرين من غزة والوصول إلى وجهتهم النهائية، فضلًا عن تفهم مصر لبقاء إسرائيل في محور فيلادلفيا لفترة طويلة.
وأكد مصدران، أحدهما حكومي والآخر دبلوماسي أوروبي، على ضرورة الالتفات للسياق السياسي العام الذي طُرحت فيه تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بخصوص التدخل في حل أزمة سد النهضة، والتي رحب بها عبد الفتاح السيسي، وإن طالب المصدر الحكومي بعدم الإفراط في التفاؤل حول إمكانية التوصل لاتفاق بين مصر وإثيوبيا.
كان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قال، خلال لقائه مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إن بلاده تعمل على حل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، مضيفًا: «لقد بنوا واحدًا من أكبر السدود في العالم، على بعد بسيط من مصر. أعتقد أنني لو كنت مكان مصر فسأرغب في وجود المياه في نهر النيل». وأضاف أن أمريكا التي موّلت بناء السد «تُبرم صفقات جيدة»، وأنها ستعمل على حل هذه المسألة بسرعة.
وقال المصدر الحكومي لـ«مدى مصر» إن «المؤسسات المعنية بالأمن القومي» لا تُبدي تجاوبًا مع أي ضغوط أمريكية لقبول نقل فلسطينيين من غزة إلى الأراضي المصرية، سواء بصورة دائمة أو مؤقتة، مقابل حزمة اقتصادية كبيرة، معتبرًا أنه «يفتح أبواب قلاقل كبيرة».
وأضاف أن هذه المؤسسات لا تبدو بصدد تغيير موقفها، خصوصًا في ظل غياب أي ضمانات بالتزام إثيوبيا بأي اتفاقات، مشيرًا إلى تجربة اتفاق المبادئ الذي وُقّع عام 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا، ونص على الامتناع عن اتخاذ خطوات أحادية، فيما مضت أديس أبابا في تنفيذ خططها دون الالتزام ببنود الاتفاق.
وبدا المصدر الحكومي أكثر حذرًا، قائلًا لـ«مدى مصر» إنه لا ينبغي الإفراط في التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب حول السد، معتبرًا أن تصريحات ترامب تعبّر عن «استعداد أمريكي للمساعدة»، لكنها «لا تمثل التزامًا فعليًا”.
وقال المصدر، الذي شارك في مفاوضات سد النهضة خلال ولاية ترامب الأولى بين عامي 2017 و2021، إن الرئيس الأمريكي سبق أن ضغط بالفعل للتوصل إلى اتفاق، لكن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، لم يُبدِ أي تجاوب، بل لجأ إلى دعم من المجموعة الإفريقية في الكونجرس وعدد من العواصم الإقليمية للتهرب من توقيع أي اتفاق نهائي.
وأوضح المصدر أن إثيوبيا أتمت بناء وملء السد دون اتفاق، وتعمل حاليًا على الترتيب لبناء سدود إضافية على النيل الأزرق، الذي يعد المصدر الرئيسي لحصة مصر من المياه، مضيفًا أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على الدفع نحو تفاهمات، حتى إن لم تكن مكتملة، حول أساسيات تشغيل السد، لكن «السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه التفاهمات تُجيب على الشواغل المصرية، خصوصًا ما يتعلق بكميات المياه التي يتم الإفراج عنها من السد في حال حدوث موجات جفاف”.
وأعربت الرئاسة المصرية عن تقديرها لـ«حرص الرئيس ترامب على التوصل إلى اتفاق عادل يحفظ مصالح الجميع حول السد الإثيوبي، وتأكيده على ما يمثله النيل لمصر كمصدر للحياة»، بحسب بيان أصدره السيسي.
قال فيه إن مصر «تجدد دعمها لرؤية الرئيس ترامب في إرساء السلام العادل والأمن والاستقرار لجميع دول المنطقة والعالم»، وتؤكد «ثقتها في قدرته على حل المشاكل المعقدة … في مختلف ربوع العالم»، كما تثمن تصريحاته التي «تبرهن على جدية الولايات المتحدة تحت قيادته في بذل الجهود لتسوية النزاعات ووقف الحروب”.
وبدأت إثيوبيا بناء سد النهضة في 2011، وسط اعتراضات مصرية وسودانية على غياب اتفاق مسبق. وفي 2015، وقعت الدول الثلاث اتفاقًا مبدئيًا تعهدت فيه أديس أبابا بعدم اتخاذ خطوات أحادية، لكنها استكملت بناء السد وملأه دون توقيع اتفاق نهائي. وفي 2019، قادت الولايات المتحدة جولة وساطة وصلت إلى مسودة اتفاق لم تُوقّع، قبل أن تنتقل المفاوضات إلى رعاية الاتحاد الإفريقي، الذي لم ينجح بدوره في التوصل لاتفاق.
وأعلنت إثيوبيا، قبل أيام، عزمها دعوة مصر والسودان لحضور احتفال رسمي في أديس أبابا بمناسبة بدء تشغيل السد في سبتمبر المقبل، دون صدور تعليق رسمي من القاهرة حتى الآن، فيما قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بعد لقائه مع آبي أحمد على هامش قمة بريكس الأسبوع الماضي، إن إثيوبيا أعادت تأكيد نواياها الطيبة، لكن مصر طالبت بوثيقة مكتوبة، فيما اعتبر وزير الخارجية، بدر عبد العاطي في تصريحات له الشهر الماضي، أن مفاوضات سد النهضة وصلت إلى طريق مسدود.
وتزامنت التحركات الأخيرة مع تفاقم الضغوط على الموارد المائية في مصر، التي تعتمد على نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل، تمثل الحصة الأكبر من مواردها المائية، في وقت تتجاوز فيه احتياجاتها الإجمالية 114 مليار متر مكعب، فيما تراجع نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا في عام 2024، ما يضع مصر تحت خط «الندرة المطلقة» للمياه وفقًا لتعريفات الأمم المتحدة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات